فلما جاء عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كانت موارد بيت المال من الفيء والغنائم والخراج والجزية والعشور والصدقات قد بلغت أرقامًا هائلة، بعد ما أفاء الله عليهم من الفتوح، وأفاض عليهم من الثروات، فرأى عثمان أن يجمع الزكاة من الأموال الظاهرة فحسب، وأما الأموال الباطنة فيدع أمرها إلى أربابها يؤدون - تحت مسئوليتهم - زكاتها بأنفسهم، ثقة منه بأمانة الناس ودينهم، وإشفاقًا عليهم من عنت التحصيل والتفتيش، وتوفيرًا لنفقات الجباية والتوزيع. وكان ذلك اجتهادًا منه -رضي الله عنه-، وإن أدى ذلك - فيما بعد - إلى إهمال كثير من الناس للزكاة في أموالهم الباطنة، لما رقّ دينهم، وقلَّ يقينهم.
وقد فسَّر بعض الفقهاء ذلك بأن أمير المؤمنين عثمان أناب عنه أصحاب الأموال الباطنة في أداء زكاتها. وفي هذا يقول الكاساني في "البدائع":
"كان يأخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- إلى زمن عثمان -رضي الله عنه- فلما كثرت الأموال في زمانه رأي المصلحة في أن يفوِّض الأداء إلى أربابها، بإجماع الصحابة، فصار أرباب الأموال كالوكلاء عن الإمام. ألا ترى أنه قال: (من كان عليه دين فليؤده وليزك ما بقي من ماله) فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة، فلا يبطل حق الإمام. لهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلد أنهم يتركون أداء الزكاة فإنه يطالبهم بها" (بدائع الصنائع: 2/7).
ومن هذا يتبين أن الأصل العام هو: أن الإمام هو الذي يجمع الزكوات من الأموال الظاهرة والأموال الباطنة، وأنه لما صعب جمعها من الأموال الباطنة في عهد عثمان، وكانت أموال بيت المال بكل أقسامه مكدسة فيه تركها لأربابها يؤدونها بالنيابة عنه، فإذا أخلوا بواجب النيابة ولم يؤدوا حق الله في مالهم، تولى الإمام الجمع بنفسه، كما هو الأصل.
من يتولى أمر الزكاة في عصرنا؟