ولكن بعض الروايات أفاد أنه رجع عن قوله هذا، وقال: ضعوها في مواضعها (المرجع السابق). وناقشه صديق له فقال: ما ترى في الزكاة؟ فإن هؤلاء لا يضعونها مواضعها؟ فقال ابن عمر: ادفعها إليهم. فقال الرجل: أرأيت لو أخروا الصلاة عن وقتها؛ أكنت تصلي معهم؟ قال: لا. قال: فهل الصلاة إلا مثل الزكاة؟ فقال ابن عمر: لبّسوا علينا لبَّس الله عليهم)! (المرجع نفسه). وهذا يُعد تسليمًا بوجهة نظر الرجل.
وكذلك جاء عن إبراهيم النخفي والحسن البصري قالا: "ضعها مواضعها واخفها" (نفس المرجع). أي عن الولاة.
وعن ميمون بن مهران قال: اجعلها صررًا، ثم اجعلها فيمن تعرف، ولا يأتي عليك الشهر حتى تفرقها.
وعن أبي يحيى الكندي قال: سألت سعيد بن جبير عن الزكاة، فقال: ادفعها إلى ولاة الأمر. فلما قام سعيد تبعته، فقلت: إنك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر، وهم يصنعون بها كذا، ويصنعون بها كذا !! فقال: ضعها حيث أمرك الله. سألتني على رؤوس الأشهاد، فلم أكن لأخبرك (الأموال - المرجع السباق).
فهذه الآثار والفتاوى -وهي التي استند إليها أبو عبيد- قد دلت على ما قلناه: أنها صدرت إبان سخط الضمير الإسلامي على بعض ولاة الحكم الأموي، وانحراف كثير منهم عن النهج الذي جربه الناس في عهد الراشدين.
على أنه إذا صحت التفرقة بين المالين في السنة النبوية، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يرسل سعاته لأخذ الزكاة من المال الباطن أو الصامت - كما يسمى - فإن ذلك كان لسببين:
1- أن الناس كانوا يأتون بها طائعين إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدافع الإيمان والرغبة في أداء الواجب إرضاءً لله تعالى.
2- وأن حصر هذا النوع من المال كان غير ممكن إلا لأصحابه، فتركت زكاته وإخراجها لذممهم وضمائرهم التي أحياها الإسلام.