تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما أن أبا داود روى في سننه عن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في إبل أعطاها إياه من الصدقة. وفي رواية "أتي ببدلها" (رواه أبو داود في باب الصدقة على بني هاشم، وسكت عنه هو والمنذري، وأخرجه النسائي (انظر مختصر السنن: 2/246). وقد أجاب النووي عن هذا الحديث من وجهين:

أحدهما: أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم ثم صار منسوخًا بما ذكرناه.

الثاني: أن يكون قد اقترض من العباس للفقراء إبلاً، ثم أوفاه إياها من الصدقة، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على هذا. وبهذا الثاني أجاب الخطابي. والله تعالى أعلم (المجموع: 6/227).

ولا شك أن الأولى الأخذ بظاهر الحديث دون ارتكاب التأويلات أو القول بالنسخ.

ويلوح لي أن الإمام البخاري لم يثبت عنده هذا الحكم حديث صحيح السند، صريح الدلالة. ولهذا عنون له بقوله "باب ما يُذكر في الصدقة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-" فعبارة: "ما يذكر" تدل على التضعيف والشك.

وهذا من جهة النقل. فإذا نظرنا إلى حكمة التشريع وجدناها ظاهرة في تحريمها عليه وعلى آله في حياته. فإنه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن ينزه نفسه وآله عن أخذ الصدقات، ليضرب للمسلمين مثلاً عاليًا في التعود على التعفف، لا على الأخذ، ويكون ذلك تطبيقًا للمبدأ الرفيع الذي أعلنه: (اليد العليا خير من اليد السفلى) (رواه البخاري في باب الاستغناء عن المسألة من كتاب الزكاة من حديث حكيم بن حزام). فإن إعطاء المال من غير مبادلة عين أو نفع فيه نوع من المنة والفضل للمعطي على الآخذ، وقد لا تظهر هذه المنة بالنظر لعامة الناس الذين يتولى الإمام القبض عنهم من الأغنياء، ثم الصرف لهم. أما الإمام نفسه الذي يباشر القبض من المؤمنين للصدقات، فأولى به ألا يحمِّل عنقه هذه المنة؛ وأهل بيته بمنزلته في ذلك.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٦٥١