وبهذا يسقط ما استدل به الشوكاني من مثل قوله: (قل ما أسألكم عليه من أجر) (الفرقان: 57 ). ولو أحلها لهم لأوشك أن يطعنوا فيه. فإن هذا إنما يكون في حياته -صلى الله عليه وسلم-. وأما بعد وفاته، فهم كغيرهم من المسلمين، تؤخذ الزكاة من أغنيائهم، وترد على فقرائهم.
وإنما قلنا هذا لأمرين:
الأول: أن الشرع الإسلامي في جملة أحكامه لم يميز أقارب النبي -صلى الله عليه وسلم- على غيرهم من الناس، بل أعلن أن الناس سواسية كأسنان المشط؛ هم كذلك في الحقوق والواجبات، والمغارم والعقوبات. وقد قال عليه الصلاة والسلام (وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) (متفق عليه).
الثاني: وهو الأهم أن الزكاة في الإسلام فريضة لازمة، وحق معلوم، وضريبة مقررة، يتولى الإمام أخذها وصرفها لمن يستحقها، فلا منَّة فيها لأحد على أحد. وما دام الآخذ يأخذها بحقها، فلا جناح عليه.
والعجيب أن بعض الفقهاء -بل أكثرهم- حرم الزكاة المفروضة على الهاشميين وأباح لهم صدقات التطوع مع أن المنة فيها أظهر.
ولو صح تحريم الصدقة على آل محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى يوم القيامة. لكانت صدقة النفل. وهذا ما نقله الحافظ عن بعض الفقهاء واستدلوا له بأن الواجب لا يلحق آخذه ذلة. بخلاف التطوع.
وقد تبين لنا مما سبق أن لا إجماع في المسألة، حتى لا يُتهم من أجاز لهم الزكاة بخرق هذا السور المنيع.
وقد رأينا أن الجواز منقول عن أبي حنيفة، واختيار صاحبه محمد، وهو وجه لبعض الشافعية وقول عند المالكية.
على أن في بعض الروايات المنقولة ما يساعد القائلين بالجواز المطلق. من ذلك ما ذكره في "البحر" أنه -صلى الله عليه وسلم- تصدق على أرامل بني المطلب، ورده صاحب البحر بأنه صدقة نفل (البحر: 2/184).