( ب ) وأما حديث الحسن بن علي وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أما شعرت إنا لا نأكل الصدقة)، وفي رواية مسلم: (لا تحل لنا الصدقة)، فالذي يبدو لي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله بوصفه إمام الجماعة ورئيس الدولة. فإن اجتماع الصدقات عنده لا حلها له ولا لأهل بيته، لأنها ملك المسلمين جميعًا. ومن هنا روي أن عمر شرب من لبن الصدقة خطأ فتقيأه (رواه مالك في الموطأ في كتاب الزكاة).
ولهذا قال في "البحر": ولا تحل للإمام، كالرسول، ولتقيؤ عمر لبن الصدقة (البحر الزخار: 2/184).
( ج ) وإذا غضضنا الطرف عن هذه الأسباب والملابسات التي وردت فيها هذه الأحاديث ونظرنا إلى مجرد ألفاظها، فماذا تدل عليه كلمة "آل محمد"؟ هل تدل حتمًا على ذرية بني هاشم وحدهم أو مع بني المطلب إلى يوم القيامة؟
ليس هناك دليل حاسم على ذلك؛ فآل محمد هنا كآل إبراهيم، وآل عمران في الآية الكريمة: (إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) (آل عمران: 33 ). فآل عمران هنا: مريم وابنها عيسى، وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وليس المراد ذريته إلى يوم القيامة فقد قال تعالى في إبراهيم وإسحاق (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) (الصافات: 113 ). ومن ذرية إبراهيم مخربة العالم من اليهود.
ومثل هذا قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون) (القصص: 8 ). (وأغرقنا آل فرعون) (البقرة: 50 ). (وحاق بآل فرعون سوء العذاب) (غافر: 45).
فهل يفهم من آل فرعون إلا هو وحده أو مع أهل بيته وألصق الناس به وأخصهم؟ وهنا "آل محمد" ينبغي أن يقصر على أهل بيته من أزواجه وأولاده وأسباطه وأقرب الناس إليه، وهذا حكم خاص بهم حال حياته -صلى الله عليه وسلم-، كما جاء ذلك عن الإمام أبي حنيفة: وأخذ به صاحبه محمد بن الحسن.
وكما ذكر صاحب "البحر الزخار" أنه أحد أقوال مالك: ووجهه أنها حُرِّمت لدفع التهمة وقد زالت بوفاته -صلى الله عليه وسلم- (البحر: 2/184).