( أ ) فأما حديث المطلب بن ربيعة: فإن فتيين من بني هاشم أرادا أن يوليهما النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدقات، فيصيبا منها كما يصيب الناس من المنفعة، فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يسد عليهما هذا الباب، وأن يجعل من آل بيته وأقاربه قدوة للناس في البذل والتضحية لا في الغنم والانتفاع. وقد قال لهم يوم فتح مكة، وقد طلبوا من السدانة والسقاية، فأعطاهم السقاية لما فيها من غُرم وكلفة، وقال: (إنما أوليكم ما ترزءون لا ما ترزؤون) (سيرة ابن هشام: 4/32 بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد).
ولفظ البخاري: (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد) وهذا إنما يدل على كراهة التنزيه والتنفير من مقاربة هذا العمل الذي هو مظنة لأخذ ما لا يحل كما فعل ابن اللتبية. ولهذا أبى عبادة بن الصامت وغيره أن يقبلوا الولاية على الصدقات لما فيها من خطر التعرض لما لا يجوز.
وهذه الولاية مبناها على التشديد؛ لأنها متعلقة بمال عام هو مالك للجماعة، وحق للمحتاج من المسلمين أو من يحتاج إليه المسلمون، فأي زيادة يأخذها العامل عما يستحق تُعد مزاحمة للفقراء والمحتاجين في خالص حقهم، وأكلاً لمال الجماعة بالباطل.
ومع ورود هذا الحديث فإن كثيرًا من العلماء في المذاهب المتبوعة أجازوا أن يكون العامل من بني هاشم كما ذكرنا ذلك في سهم "العاملين عليها" وحديث أبي رافع يؤكد هذا المعنى، ويبين أن إبعاد آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأقاربه عن شئون الصدقة ليس لشرف النسب، ولكن لدفع التهمة، وقطع ألسنة المفترين، ووضع الأسوة الحسنة، وتربية الآل ومواليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل المغارم، لا الطمع في المغانم. ولو كان المنع للشرف ما دخل الموالي في المنع.