فإن الصفح والعفو إنما يجوز في الإساءة الشخصية. أما من أساء إلى المجتمع كله، وإلى الدين وأهله، فلا ينبغي أن يعفى عنه، ولا يملك أحد العفو عنه. وإنما يستحق الرحمة من رحم نفسه. وهو يملك ذلك بالتوبة، فأما إذا استمرأ المعصية، وأصر على طاعة الشيطان، وركوب الضلال، والاستخفاف بالمجتمع وقيمه ومُثُله، فليمت جوعًا ولا كرامة. ومن أهان نفسه لا يُكرم. ومن لا يرحمها لا يرحم.
وكيف يستحق الرحمة والمعونة إنسان يؤثر أن يهلك جوعًا وعريًا. على أن يصلي، أو يصوم، أو يدع الخمر والقمار؟ أو على الأقل بعد ذلك، ويعزم عليه.
ولكن إذا كان لهذا الفاسق المجاهر أسرة يعولها، فيجب أن تُعطى من الزكاة، ولا تؤخذ بذنبه. كما قال تعالى: (ولا تكسب كل نفسه إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى) (الأنعام: 164).
وسئل ابن تيمية عن إعطاء الزكاة لأهل البدع أو لمن لا يصلي، فقال:
"ينبغي للإنسان أن يتحرى بها المستحقين من الفقراء والمساكين والغارمين وغيرهم. من أهل الدين، المتبعين للشريعة، فمن أظهر بدعة أو فجورًا، فإنه يستحق العقوبة بالهجر وغيره، والاستتابة، فكيف يُعان على ذلك" ؟ (مجموع فتاوى ابن تيمية: 25/87).
وفي تاركي الصلاة قال: "ومن لم يكن مصليًا أمر بالصلاة، فإن قال: أنا أصلي، أعطي، وإلا لم يُعط" (المرجع السابق ص 89).
يعني أنه إذا أظهر توبة، ووعد بأن يصلي، صُدِّق في ذلك وأعطي.
وفي "الاختيارات" قال شيخ الإسلام: "لا ينبغي أن تُعطى الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله؛ فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليها من المؤمنين كالفقراء والغارمين أو لمن يعاون المؤمنين (كالعاملين عليها والمجاهدين في سبيل الله) فمن لا يصلي من أهل الحاجات لا يعطى شيئًا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة" (الاختيارات ص 61).
كلمة للسيد رشيد رضا