تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الفاسق فأجازوا إعطاءه من الزكاة ما دام باقيًا على أصل الإسلام، استصلاحًا لحاله، واحترامًا لآدميته، ولأنها تؤخذ منه فيجوز أن ترد عليه، فيدخل في عموم الحديث: (تؤخذ من أغنيائهم فتُرَد على فقرائهم) (انظر البحر الزخار: 2/186) وهذا ما لم يأخذ هذه الزكاة للاستعانة بها على فسقه ومعصيته. كأن يشتري بها خمرًا، أو يقضي بها وطرًا محرمًا؛ لأنه لا يُعان بمال الله على معصية الله. ويكفي في ذلك غلبة الظن. ولهذا قال بعض المالكية: لا يجزئ دفع الزكاة لأهل المعاصي إن ظن أنهم يصرفونها فيها ولا جاز الإعطاء لهم (انظر: الشرح الكبير وحاشية الدسوقي: 1/492 وهو موافق لمذهب الجعفرية كما في فقه الإمام جعفر: 2/93. والإباضية كما في النيل وشرحه: 2/131 - 1).

وعند الزيدية: الفاسق - كالغني - لا تحل له الزكاة، ولا يجزئ صرفها إليه، إلا إذا كان من العاملين عليها أو المؤلفة قلوبهم (شرح الأزهار: 1/520 - 521).

والراجح عندي أن الفاسق الذي لا يؤذي المسلمين بفسقه، ولا يتحداهم بفجوره ومعاصيه، لا بأس بإعطائه من الزكاة، وإن كان الصالحون والمستقيمون أولى بالإجماع. وأما الفاجر المستهتر، المتبجح بإباحيته، المجاهر بفسقه، فلا ينبغي أن يعطى من مال الزكاة حتى يقلع عن غيه، ويعلن توبته. فإن أوثق عرا الإيمان: الحب في الله والبغض في الله (معنى حديث رواه أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإيمان ورمز له السيوطي بالحسن في الجامع الصغير)، (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (التوبة: 71).

ومن مقتضى ذلك ألا يمد المجتمع المسلم يد المعونة إليه وهو ينخر عظامه بمعاصيه. ويعالنه بمآثمه، ويتحدى شعوره العام. ولا يقال: إن في هذا قسوة على أهل الفسق والمعصية، وتعريضهم لأن يهلكوا جوعًا في مجتمع مسلم، وقد جاء الإسلام بالسماحة والرحمة والعفو والصفح.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٦٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٦٢٤