تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالذي أراه بعد موازنة الأدلة: أن الأصل في الزكاة أن تعطى لفقراء المسلمين أولاً؛ لأنها ضريبة مفروضة على أغنيائهم خاصة، ولكن لا مانع من إعطاء الذمي الفقير من الزكاة إذا كان في أموالها سعة، ولم يكن في إعطائه إضرار بفقراء المسلمين. وحسبنا في هذا عموم الآية، وفعل عمر، وأقوال من ذكرنا من الفقهاء، وهذه قمة من التسامح لم يرتفع إليهما دين من قبل.

وهذا إذا كان يعطى باسم الفقر والحاجة، أما إذا أعطي تأليفًا لقلبه، وتحبيبًا للإسلام إليه، أو ترغيبًا له في نصرته والولاء لأمته ولدولته، فقد رجحنا الأدلة الناصعة من كتاب الله وسنة رسوله جواز ذلك، وبقاء هذا السهم إلى ما شاء الله، وإن كنا اخترنا أن التأليف وإعطاء المؤلفة قلوبهم، إنما هو من شأن الحكومة الإسلامية لا من شأن الأفراد، ويمكن أن تقوم الجمعيات الإسلامية في ذلك مقام الحكومات.

ولا بد أن أنبه هنا على أن رأي من قالوا بعدم إعطاء الذمي من الزكاة ليس معناه تركه للجوع والعري، كلا، بل يُعان من موارد بيت المال الأخرى كالفيء وخُمس الغنائم والمعادن والخراج وغيرها. وقد ذكر أبو عبيد في "الأموال" كتاب عمر بن عبد العزيز لعامله على البصرة وفيه: "وانظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب. فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه .." (الأموال ص 46). ومعنى "أجر عليه": اجعل له شيئًا جاريًا، وراتبًا دوريًا. والجميل حقًا أنه لم يدع أهل الذمة حتى يطلبوا هم المعونة، بل طلب الخليفة من الوالي أن يبادر هو فينظر في حالاتهم ومطالبهم، فيسدها من بيت المال. وهذا هو عدل الإسلام.

هل يعطى الفاسق من الزكاة؟

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٦٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٦٢٣