وثانيهما: أنه يجوز إعطاء الزكاة إلى المساكين من أهل الذمة، بشرط أن يكونوا عاجزين عجزًا مطلقًا؛ لأن القادرين كانت تؤخذ منهم الجزية، وليس من المعقول أن تؤخذ منهم الجزية، ويعطوا من الزكاة (انظر: حلقة الدراسات الاجتماعية ص 252).
وقَيَّد بعضهم جواز إعطاء الزكاة للذمي بما إذا لم يجد المزكي مسلمًا يستحقها كما حكي ذلك الجصاص عن عبيد الله بن الحسن (أحكام القرآن: 3/315 - طبع الآستانة). وهو قول بعض الإباضية (شرح النيل: 2/123).
موازنة وترجيح
قلنا: إن أقوى ما استدل به الجمهور لمذهبهم حديث معاذ، والحديث متفق على صحته، ولكن دلالته على ما قالوا غير قاطعة، فالحديث يحتمل أن الزكاة تؤخذ من أغنياء كل إقليم وتُرَد على فقرائه، وهم باعتبار الإقليمية والمواطنة والجوار يُعَدون من الفقراء المنسوبين إلى أولئك الأغنياء، ومن هنا استدلوا بهذا الحديث على نقل الزكاة من بلد إلى بلد لا يجوز.
وعموم الأدلة التي ذكرها الحنفية في جواز صرف صدقة الفطر وما معها، من الآيات التي لم تفصل بين فقير وفقير، ولا بين مسكين ومسكين - يشهد لما روي عن عمر والزهري وابن سيرين وعكرمة وجابر بن زيد وزفر. وكذلك آية الممتحنة التي تقول: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) (الممتحنة: 8). وقد قالوا: إن ظاهر هذا النصر يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم؛ لأن أداء الزكاة بِرُّ بهم، لولا ما دلّ عليه حديث معاذ (انظر البدائع: 2/49).
وقد تبين لنا: أن دلالة حديث معاذ لا تقاوم عموم النصوص الأخرى، وما فهم عمر -رضي الله عنه- في آية: (إنما الصدقات) من شمولها للمسلمين وغير المسلمين.