وعند المالكية: أن الفقير الذي وجبت نفقته على غني، تحرم عليه الزكاة ولو لم يجر النفقة عليه بالفعل؛ لأنه قادر على أخذها منه بالحكم والقضاء.
واستثنوا من ذلك ما إذا كان الغني لا تمكن الدعوى عليه أو يتعذر الحكم عليه (انظر شرح الخرشي على خليل: 2/214).
والذي أرجحه ما قلته أولاً إن ولد الإنسان الصغير وزوجته هما اللذان يعدان غنيين بغنى الأب والزوج، فالولد مع أبيه والزوجة مع زوجها وحدة لا تتجزأ، ولأن نفقتهما وجبت وجوبا بيِّنًا بالكتاب والسنة، فهما مكفيان كفاية دائمة لازمة مستقرة. فلا يجوز إعطاء الزكاة لهما، ولا يجوز لهما الأخذ، بخلاف سائر الأقارب، فللحكومة أن تتولى الإنفاق عليهم من الزكاة أو غيرها من مواردها وتغنيهم عن نفقة أقاربهم، وللأفراد المسلمين أن يعطوهم من زكاتهم ما يقضون به حاجات لا تسدها النفقة، أو ما يغنيهم عن النفقة بالكلية وخاصة على مذهب من يقول بإعطاء كفاية العمر للفقير والمسكين (راجع: بحث "كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة" ؟ - الفصل الأول ص 603). فهذا شيء أعمق وأوسع مدى مما تؤديه نفقة القريب على القريب.
المبحث الثاني
الأقوياء المكتسبون
وكما جاءت الأحاديث بتحريم الزكاة على الغني جاءت بتحريمها على ذي المرة السوي، (والمرة: الشدة والقوة. والسوي: المستوي الأعضاء، أي أن جسمه سليم من العاهات. وإنما حرمت الزكاة على القوي؛ لأنه مُطالب أن يعمل ويكفي نفسه بنفسه لا أن يقعد ويتكل على الصدقات. فإذا كان قويًا ولكنه لا يجد عملاً فهو معذور، ومن حقه أن يُعان من الزكاة، حتى يتهيأ له العمل الملائم، وفي الحديث الآخر: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) (ذكر في البحر: (2/175) قولاً للشافعي أنه يشترط في الفقير الضعف والزمانة وعدم السؤال وهذا الحديث يرد عليه. ووقوفها على الزمني باطل كما قال ابن العربي، وقد تقدم) وقد مر بنا بحث ذلك في مصرف "الفقراء والمساكين".