وهم مع اتفاقهم على هذا الحكم اختلفوا في تحديد معنى الغنى الذي يحرم الأخذ من الزكاة ويمنع منها، وقد فصلنا ذلك في مصرف الفقراء والمساكين فليرجع إليه .
واختلف الفقهاء أيضاُ في بقية الأصناف، فعند الحنفية لا تعطى الزكاة لغني، ولو كان في سبيل الله، أو غارماً لإصلاح ذات البين، عملاً بإطلاق حديث معاذ والحديث الآخر: (لا تحل لغني).
ولم يستثنوا إلا العامل: لأن ما يأخذه إنما هو أجر على عمله. وإلا المؤلفة، ولكن سهمهم سقط بانتشار الإسلام كما قالوا (انظر: فتح القدير على الهداية: 2/21).
أما الأئمة الآخرون فقالوا: إنما اقتصر في حديث معاذ على رده للفقراء لأن ذلك هو المقصود الأهم للزكاة؛ إغناء الفقراء.
ولو كانت الزكاة لا تعطى إلا لفقير ومسكين ما كان هناك معنى لذكر أصناف ستة في آية التوبة بعد الفقراء والمساكين.
وكما أخرجتم العامل عليها وابن السبيل- وإن كان غنيًا في بلده - أخرجوا الغازي الذي لا راتب له في ديوان الجند، والغارم لإصلاح ذات البين.
والواقع أن آية المصارف جمعت بين نوعين من المستحقين:
النوع الأول: من يحتاج من المسلمين وهم: الفقراء والمساكين وفي الرقاب والغارمون لمصلحة أنفسهم وابن السبيل فهؤلاء يعطون لحاجتهم ما تندفع به حاجتهم.
النوع الثاني: من يحتاج إليهم المسلمون، وهم: العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون لمصلحة الغير، وفي سبيل الله. فهؤلاء يُعطون مع الفقر والغنى.
وقد فصل في ذلك الحديث النبوي: (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين فأهدى المسكين إليه).