كما أن بعض العلماء من الحنابلة أعطى تفسيرًا آخر لابن السبيل يدخل فيه كثيرون حتى في عصرنا هذا، فقد ذكر: أن أبناء السبيل هم السؤّال (انظر: الإنصاف: 3/237). يعني المتسولين الذين يتكففون الناس، ويسألونهم.
ومما يندى له الجبين أننا لا نزال نرى في كثير من البلاد التي ينتسب أهلها إلى الإسلام، أناسًا حُرِموا نعمة المأوى والمسكن، واتخذوا من جوانب الشوارع، وأرصفة الطرقات مأوى لهم، يفترشون ترابها، ويتغطون بهوائها، فهؤلاء "أبناء سبيل" لأن الطريق لكل منهم أمه وأبوه!!
إن هؤلاء وصمة في جبين المجتمع الذي يعيشون فيه، فلا عجب أن يعني بهم القرآن، ويذكرهم بوصف خاص، غير وصف الفقراء والمساكين، ويفرض لهم سهمًا في الضريبة الإسلامية الأولى: الزكاة.
ولا غرابة أن يعطى هؤلاء من مال الزكاة بوصفهم أبناء سبيل، وبوصفهم فقراء أيضًا. فيُعطَون بالوصف الأول ما يُخرجهم عن بنوة الطريق بأن يُهيأ لهم المسكن اللائق بحالهم، ويعطون بالوصف الثاني ما يضمن لهم تمام كفايتهم ويكفل لهم معيشة حسنة، يتحقق لهم فيها إشباع حاجاتهم البشرية من غير إسراف ولا تقتير.
6- اللقطاء:
وذكر السيد رشيد رضا في تفسيره: أن اللقيط يوشك أن يدخل في معنى ابن السبيل، كما ذكر أن بعض أذكياء المعاصرين اختار في رسالة له: أن هذا هو المعنى المراد.
وقوَّى الشيخ رشيد هذا الاختيار - وإن لم يجزم به - بأن اللفظ يتسع للقيط ما يتسع لغيره. وبأن القرآن عنى بأمر اليتيم، والإحسان به لحكمة بالغة، وهي: أن اليتيم يُهمَل أمره بفقد الناصر القوي الغيور، وهو الأب. أو تكون تربيته ناقصة، بالجهل الذي هو جناية على العقل، أو فساد الأخلاق الذي هو جناية على النفس، وهو بجهله وفساد أخلاقه، يكون شرًا على أولاد الناس، يعاشرهم فيسري إليهم فساده. فإذا كان هذا شأن اليتيم فاللقيط أولى وأجدر منه بالإحسان بما ذكرنا من الحكمة والفقه.