أولها: أن يكون محتاجًا في ذلك الموضع الذي هو به إلى ما يوصله إلى وطنه، فإن كان عنده ما يوصله، فلا يُعطى. لأن المقصود إنما هو إيصاله إلى بلده، بخلاف المجاهد، فإنه يأخذ منها - عند غير الحنفية - وإن كان غنيًا في الموضع المقيم فيه؛ لأن القصد من إعطائه إرهاب العدو، وبدفع الزكاة إلى المجاهد يقوى بأسه على عدو الله.
الثاني: أن يكون سفره في غير معصية، أما من كان سفره في معصية كمن خرج لقتل نفس، أو لتجارة محرمة، أو نحو ذلك، فإنه لا يعطى من الزكاة شيئًا؛ لأن القصد من إعطائه إعانته، ولا يُعان بمال المسلمين على معصية الله، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، فيعطى لبقية سفره. إلا أن يخاف عليه الموت، فإنه يعطى ولو لم يتب؛ لأنه وإن عصى هو لا نعصي نحن بتركه يموت (انظر: حاشية الدسوقي:1/498 وقال بعض المالكية: لا يعطى وإن خيف عليه الموت؛ لأن نجاته في يد نفسه بالتوبة. وانظر: حاشية الصاوي 1/233 وقال بعضهم: ينظر في تلك المعصية، فإن كان يريد قتل نفس أوهتك حرمة لم يعط إلا إن تاب وإن خيف عليه الموت (المصدرين المذكورين).
والسفر الذي لا معصية فيه يشمل السفر للطاعة، والسفر للحاجة، والسفر للنزهة.
فأما سفر الطاعة، كالحج والجهاد وطلب العلم النافع، والزيارة المندوبة ونحوها، فلا خلاف في إعطائه؛ لأن الإعانة على الطاعة مطلوبة شرعًا.
وأما السفر لحاجة دنيوية، كالسفر للتجارة وطلب الرزق ونحو ذلك.
فالمعروف عند القائلين بأن ابن السبيل: "هو الغريب المنقطع عن بلده وماله"
- أنه يعطى بلا خلاف؛ لأن فيه إعانة له على حوائج دنياه المباحة، وبلوغ غرضه الصحيح.
وأما عند الشافعية القائلين بأن: "ابن السبيل يشمل المنشئ للسفر من بلده"، ففيه قولان:
أحدهما: لا يعطى؛ لأنه غير محتاج إلى هذا السفر.
والثاني: يعطى؛ لأن الرخص التي ناطها الشرع بالسفر، لم تُفرِّق بين سفر الطاعة والسفر المباح، كقصر الصلاة، والفطر في رمضان. وهو الصحيح.