تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فوجب في رأي الجمهور أن يُحمل المذكور في الآية على الغريب دون غيره، وإنما يُعطى وله اليسار في بلده؛ لأنه عاجز عن الوصول إليه، والانتفاع به، فهو كالمعدوم في حقه، فإن كان ابن السبيل فقيرًا في بلده أعطي للأمرين: لفقره، ولأنه ابن سبيل. ويعطي لكونه ابن سبيل قدر ما يوصله إلى بلده؛ لأن الدفع إليه لهذه الحاجة فيقدر بقدرها (الشرح الكبير - مع المغني 2/702).

وقال الشافعي في ابن السبيل:

هو الغريب المنقطع، والمنشئ للسفر أيضًا، أي من يريد سفرًا ولا يجد نفقة، فيدفع إليهما ما يحتاجان إليه، لذهابهما وعودهما؛ لأن المنشئ للسفر يريده لغير معصية، فأشبه المجتاز المنقطع، لاحتياج كل منهما لأهبة السفر وإن كان إطلاق ابن السبيل على الثاني من باب المجاز (انظر المجموع: 6/214، ونهاية المحتاج: 6/156).

والذي أراه:

أن الرأي الأول أكثر انطباقًا على وصف "ابن السبيل" في الآية، وأقرب إلى هدف التشريع، فليس كل راغب في السفر، أو عازم عليه، يُعطى من مال الزكاة، وإن أراد بسفره منفعة خاصة به، من سعي على معاش أو ترويح عن النفس.

أما رأي الشافعي -رضي الله عنه- فيؤخذ به - فيما أرى - فيمن يسافرون لمصلحة عامة يعود نفعها لدين الإسلام أو للجماعة المسلمة، كمن يسافر بعثة علمية أو عملية يحتاج إليها بلد مسلم، أو يسافر في أي مهمة تعود على الدين والمجتمع المسلم بنفع عام، وعلى أن يقر ذلك من يُعتبر رأيهم من أهل المعرفة والديانة.

ومثل هذا إن لم يكن ابن سبيل بالفعل، فهل ابن السبيل باعتبار ما يكون باعتبار ما عزم عليه، وما قارب الشيء يأخذ حكمه. وفي إعطائه إعانة له على خير عام للملة وللأمة فأشبه الإعطاء في سبيل الله، وأشبه إعطاء الغارمين لإصلاح ذات البين، فلو لم يكن إعطاء بالنص لكان إعطاء بالقياس.

ومما يقوي هذا الذي قلناه: أن ابن السبيل في الآية جاء معطوفًا على مصرف "في سبيل الله" فكأنه قال: في سبيل الله وفي ابن السبيل.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٥٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٥٩٦