خرج أبو محمد عبد الغني الحافظ بسنده عن عبد الرحمن بن أبي نعم، قال ( كنت جالسًا مع عبد الله بن عمر، فأتته امرأة فقالت له: يا أبا عبد الرحمن .. إن زوجي أوصى بماله في سبيل الله ! قال ابن عمر: فهو كما قال، في سبيل الله ! فقلت (القائل ابن أبي نعْم) : ما زدتها فيما سألت عنه إلا غمًا (يعني أنه لم يجبها جوابًا شافيًا يريحها فيما سألت عنه). قال: فما تأمرني يا ابن أبي نعم؟ آمرها أن تدفعه إلى هؤلاء الجيوش الذين يخرجون، فيعتدون في الأرض ويقطعون السبيل ؟! قلت: فما تأمرها؟ قال آمرها أن تدفعه إلى قوم صالحين، إلى حجاج بيت الله الحرام، أولئك وفد الرحمن، أولئك وفد الرحمن. أولئك وفد الرحمن) (تفسير القرطبي: 8/185. ويبدو أن هذه القصة هي أصل ما روي عن ابن عمر: أن الحج من سبيل الله. حسبما يُفهم من سياق القرطبي لها. وكلام ابن عمر يدل على أن سبيل الله إذا أطلق يفهم منه الجهاد ولكنه صرفها عن هذا المتبادر لما رأى من انحراف أهل الجهاد وفسادهم).
وإذا كان ابن عمر -رضي الله عنهما- تحرج أن يجعل عمل الجيوش في زمنه في سبيل الله -مع أن الجيوش في ذلك العصر لم يكن لها راية غير الإسلام، ولا وجهة غير الإسلام، حتى جيوش الخوارج أنفسهم- فكيف لو رأى ابن عمر جيوشًا لا يُذكر فيها اسم الله، ولا اسم الإسلام، ولا تكاد تقام فيها صلاة أو عبادة لله؟ وكيف لو رأى جيوشًا يقوم توجيهها كله على أساس علماني لا مكان فيه لله ولا لكتابه ولا لرسوله، ولا لدينه، فهي ترفع شعارات جاهلية، وتمجد الكفر وأهله، وتسخر من الدين ودعاته. ولا تفكر في الاتجاه إلى الدين يومًا إلا لتتخذه أداة لتقوية الروح أو إثارة الحماس !
نعود فنقول: إن كل قتال يقوم تحت راية غير راية الإسلام، ولهدف غير نصرة الإسلام، والدفاع عن حرماته قتال غير إسلامي، ومن المجازفة بالدين أن يقال عنه: في سبيل الله.