إحداهما: أنه من سبيل الله، فيعطى الفقير من الزكاة ما يحج به حجة الإسلام أو يعينه فيها، لحديث أم معقل الأسدية: أن زوجها جعل بَكْرًا في سبيل الله. وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى، فأتت النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكرت له، فأمره أن يعطيها وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحج والعمرة في سبيل الله) (رواه أحمد وأصحاب السنن وهو ضعيف؛ لأن في سنده رجلاً مجهولاً وراويًا متكلمًا فيه، كما أن فيه اضطرابًا. وأخرج أبو داود الحديث برواية أخرى، وفي إسنادها محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن. (انظر نيل الأوطار: 4/181 - طبع الحلبي).
وقد روي هذا عن ابن عباس، وابن عمر، وهو قول إسحاق أيضًا.
والثانية: أنه لا يصرف من الزكاة في الحج كما هو قول الجمهور، قال ابن قدامة في المغني: وهذا أصح؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد، فإنّ كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يُحمل ما في الآية على ذلك؛ لأن الظاهر إرادته به، ولأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين، وفي الرقاب، والغارمين لقضاء ديونهم، أو ممن يحتاج إليه المسلمون كالعامل، والغازي، والمؤلَّف، والغارم لإصلاح ذات البين. والحج للفقير لا نفع للمسلمين فيه، ولا حاجة بهم إليه ولا حاجة به أيضًا؛ لأن الفقير لا فرض عليه فيسقطه، ولا مصلحة له في إيجابه عليه، وتكليفه مشقة قد رفهه الله منها. وخفف عنه إيجابها، وتوفير هذا القدر على ذوي الحاجة من سائر الأصناف. أو دفعه في مصالح المسلمين أولى" (المغني لابن قدامة: 6/47 - طبع الإمام).
وهذا التوجيه النَيِّر العميق، لا يحتاج إلى تعليق.