قال ابن نجيم في البحر: لا يخفى أن قيد الفقر لابد منه على الوجوه كلها. (انظر: الاختيار لتعليل المختار 1/119، والبحر الرائق 2/260، والدر المختار وحاشية رد المحتار عليه:2/83-84 طبع استانبول). وعلق العلامة صاحب المنار في تفسيره (انظر: تفسير المنار: 1/580 - الطبعة الثانية). على كلام صاحب البحر فقال: إنه بهذا القيد أبطل كون "سبيل الله" صنفًا مستقلاً. إذ أرجعه إلى الصنف الأول، وهم الفقراء والمساكين. (ذكر علماء الحنفية مثل هذا الاعتراض وأجابوا عنه بما لا يشفى. فقد نقل عن البحر عن النهاية قال: فإن قلت: منقطع الغزاة والحاج، إن لم يكن في وطنه مال فهو فقير، وإلا فهو ابن السبيل ... قلت: هو فقير، إلا أنه زاد عليه بالانقطاع في عبادة الله تعالى، فكان مغايرًا للفقير المطلق، الخالي عن هذا القيد. أ.هـ (انظر البحر 2/260، ورد المحتار: 2/84).
وأقول: ولكنه على كال حال لم يخرج عن صنف الفقراء. ونقل الآلوسي في تفسيره (3/328) عن بعضهم: أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام. أن من كان غنيًا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة، فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجًا له في إقامته، فيجوز أن يُعطى من الصدقة، وإن كان غنيًا في مصره).
فعلماء المذهب الحنفي - وإن اختلفوا في تعيين المراد بسبيل الله - مجمعون على أن الفقر والحاجة شرط لازم لاستحقاق كل من يعتبر في سبيل الله، سواء أكان غازياً، أم حاجاً، أم طالب علم، أم ساعياً في سبيل الخيرات . ولهذا قالوا: إن الخلاف لفظي للاتفاق على أن الأصناف كلهم يعطون بشرط الفقر فيما عدا العامل .
وقد عرفنا أن الفقير المحتاج له حقه المفروض في الزكاة وإن لم يكن متصفاً بأي من هذه الأوصاف .
فما الجديد الذي أفاده هذا المصرف إذاً ؟ ولماذا جعله القرآن صنفاً مستقلاً ؟.