والمختار عندي: ألا يعمل بأحد هذه الأقوال حتى ينظر في حصيلة الزكاة، وعدد المستحقين لها من سائر الأصناف، ومقادير حاجاتهم. فإن كانت الحصيلة كبيرة، وكان عدد أصناف المستحقين قليلاً، أخذ بالقول الأول، وأعطى من الزكاة من كان دينه حالاً أو مؤجلاً. وإن كان الأمر بالعكس عمل بالقول الثاني، وأوثرت الأصناف الأخرى على من كان دينه مؤجلاً. وإن كان الأمر وسطًا أخذ بالقول الثالث. والله أعلم.
وإن كان الفرد هو الذي يعطى الزكاة ويفرقها بنفسه، فينبغي أن يؤثر الأحوج فالأحوج.
الشرط الرابع: أن يكون شأن الدين مما يحبس فيه، فيدخل فيه دين الولد على والده، والدين على المعسر. ويخرج دين الكفارات والزكاة، لأن الدين الذي يحبس فيه ما كان لآدمي، وأما الكفارات والزكوات فهي لله (انظر حاشية الصاوي: 1/233).
هذا ما ذكره المالكية. ولم يشترط كل الفقهاء هذا الشرط. والحنفية يعتبرون الزكاة من الديون التي لها مطالب من جهة العباد، وهو الإمام.
كم يعطى الغارم لمصلحة نفسه؟
يعطى الغارم لمصلحته قدر حاجته، وحاجته هنا: هي قضاء دينه، فإن أعطى شيئًا فلم يقض الدين منه، بل برأه منه الدائن، أو قضاه عنه غيره، أو قضاه هو من غير مال الزكاة. فالصحيح أنه يسترجع منه، لاستغنائه عنه (المجموع: 6/209). وسواء أكان الدين قليلاً أم كثيرًا، فإن المطلوب سداده عنه، وتفريغ ذمته منه.
روعة الإسلام في موقفه من الغارمين
وموقف الإسلام من الغارمين والمستدينين بصفة عامة موقف فريد رائع:
( أ ) إنه أولاً يعلم أبناءه الاعتدال والاقتصاد في حياتهم حتى لا يلجأوا إلى الاستدانة.
( ب ) فإذا اضطرت المسلم ظروف الحياة إلى الاستدانة كان عليه أن يعقد العزم على التعجيل بالوفاء والأداء فيكسب بذلك معونة الله وتأييده فيما نوى: (من أخذ أموال الناس وهو يريد أداءها أدى عنه الله، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) (البخاري وأحمد وابن ماجه عن أبى هريرة (كنز العمال: 6/114).