تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن القرآن لا يضع حرفًا بدل حرف اعتباطًا، ولا يغاير بين التعبيرات جزافًا، بل لحكمة ينبه عليها بكلامه المعجز. وما يعقلها إلا العالمون. فما هذه الحكمة؟.

لقد أجاب الزمخشري عن ذلك بأن العدول عن "اللام" إلى "في" في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الزكاة من الأربعة الأولى؛ لأن "في" للوعاء، فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنة لها ومصبًا (الكشاف: 2/45، 46- طبع مصطفى الحلبي 1367 هـ).

وعقب ابن المنير في "الانتصاف" على كلام الزمخشري بالتنبيه على نكتة أدق وأعمق: قال: "وثم سر آخر هو أظهر وأقرب. وذلك أن الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم، وإنما يأخذونه ملكًا، فكان دخول اللام لائقًا بهم. وأما الأربعة الأواخر، فلا يملكون ما يصرف نحوهم، بل ولا يصرف إليهم، ولكن في مصالح تتعلق بهم. فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون، فليس نصيبهم مصروفًا إلى أيديهم، حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم.. وإنما هم محال لهذا الصرف والمصلحة المتعلقة به.

"وكذلك الغارمون، إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصًا لذممهم لا لهم، وأما سبيل الله فواضح فيه ذلك.

"وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجًا في سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيهًا على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعًا. وعطفه على المجرور باللام ممكن، ولكنه على القريب منه أقرب والله أعلم" (الانتصاف من الكشاف، وهو على هامش المصدر السابق).

وأقول: إن ما يصرف لابن السبيل ليس تمليكًا له. وإنما هو مصروف في مصلحته المتعلقة بسفره إلى بلده، وما يحتاجه إلى بلوغ غرضه، ولهذا يمكن صرفه إلى جهة النقل التي ستوصله إلى وطنه كشركة الملاحة، أو الطيران أو السكة الحديدية مثلا.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٥٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٥٣٦