3- إن الحال قد تغيرت، وأدارت الدنيا ظهرها للمسلمين فلم يعودوا سادة الدنيا كما كانوا، بل عاد الإسلام غريبًا كما بدأ، وتداعت على أهله الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وقذف في قلوبهم الوهن، ولله عاقبة الأمور. فإن كان الضعف هو العلة التي تبيح تأليف القلوب وإعطاء المؤلفة من الزكاة فقد وقع، وجاز الإعطاء كما قال ابن العربي وغيره (على أن الحنفية أنفسهم قالوا: إن مجرد التعليل بكون التأليف معللاً بقلة انتهت، لا يصلح دليلاُ على نفى الحكم المعلل، لأن الحكم لا يحتاج في بقائه إلى بقاء علته، لاستغنائه في البقاء عنها، لما علم في الرق والاضطباع والرمل، فلا بد من دليل يدل على هذا الحكم مما شرع مقيدًا بقاؤه ببقاء العلة. قالوا: لكن لا يلزمنا تعيينه في محل الإجماع، فنحكم بثبوت الدليل وإن لم يظهر لنا. (انظر رد المحتار: 2/82 - 83- طبع استانبول) وعلى كل حال لم يستطع الحنفية هنا أن يتخلصوا من ضعف موقفهم، برغم محاولاتهم الجاهدة)!.
من له حق التأليف والصرف إلى المؤلفة؟
قلنا: إن جواز التأليف وتقدير الحاجة إليه مرجعه إلى أولى الأمر من المسلمين. ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- والخلفاء هم الذين يتولون ذلك. وهذا هو الموافق لطبائع الأمور. فإن هذا مما يتصل عادة بسياسة الدولة الداخلية والخارجية. وما تمليه عليها مصلحة الدين والأمة (في شرح الأزهار (1/513): أن التأليف جائز للإمام فقط لمصلحة دينية، وأما لغيره فلا يجوز، وأجاز بعض الزيدية لرب المال أن يتألف). وعند إهمال الحكومات لأمر الزكاة وأمر الإسلام عامة -كما في عصرنا- يمكن للجمعيات الإسلامية أن تقوم مقام الحكومات في هذا الشأن.
وإذا لم يوجد حكومة ولا جماعة، وكان لدى الفرد المسلم فضل من زكاته، فهل له أن يتألف بها كافرًا؟.