وقال ابن قدامة في المغنى: مؤيدًا مذهب أحمد في بقاء سهمهم في مصارف الزكاة: "لنا كتاب الله وسنة رسوله: فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء) وكان يعطى المؤلفة كثيرًا في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
"ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن النسخ إنما يكون بنص، ولا يكون النص بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- وانقراض زمن الوحي. ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ لذلك، ولا في السنة. فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره؟ على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك بها قياس، فكيف يتركون به الكتاب والسنة؟.
"قال الزهري: لا أعلم شيئًا نسخ حكم المؤلفة (الحنفية مختلفون في تعيين الناسخ الذي نسخ حكم المؤلفة وهو ثابت بالنص القرآني القاطع.. فبعضهم ادعى أنه الإجماع. وحاول أن يجعل من موقف عمر من المؤلفة في زمنه إجماعًا، وهيهات، فقد علمت ما فيه، وبعضهم بحث عن مستند لهذا الإجماع المدعى زعم أنه هو الناسخ. ثم اختلفوا في تعيين هذا المستند. فجعله ابن نجيم في "البحر" الآية التي روى أن عمر ذكرها في مواجهة المؤلفة، وهى قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) من سورة الكهف (آية: 29) قال ابن عابدين: وإنما لم يجعل الإجماع ناسخًا، لأنه خلاف الصحيح، لأن النسخ لا يكون إلا في حياته -صلى الله عليه وسلم- والإجماع لا يكون إلا بعده"، وبعضهم جعل المستند حديث إرسال معاذ إلى اليمن، وأمره أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم ويردها على فقرائهم. (انظر: الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه: 2/83- طبع استانبول).