وقبل الشاطبي قال ابن حزم: "لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ، إلا بيقين. لأن الله عز وجل يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (النساء: 64).. وقال تعالى: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم) (الأعراف: 3). فكل ما أنزل الله تعالى في القرآن أو على لسان نبيه، ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر وأسقط لزوم اتباعه. وهذه معصية لله تعالى مجردة وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله وإلا فهو مفتر مبطل، ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية ما أو حديث ما وبين دعوى غيره في آية أخرى وحديث آخر، فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة. وهذا خروج عن الإسلام. وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه" أ هـ (الإحكام في أصول الأحكام- الباب العشرين. فصل في: كيف يعلم المنسوخ: 1/458 طبع الإمام بمصر).
وإذن فالصحيح بل الصواب (الصحيح -من الآراء- مقابلة: الضعيف، والصواب مقابلة: الخطأ، والأصح مقابله: الصحيح): أن هذا السهم باق، لم يلحق حكمه نسخ ولا تعطيل. فقد نصت عليه آية صريحة من سورة التوبة وهى من أواخر ما نزل من القرآن.
قال أبو عبيد: "إن الآية محكمة لا نعلم لها نسخًا من كتاب ولا سنة".
فإذا كان قوم هذه حالهم: لا رغبة لهم في الإسلام إلا للنيل، وكان في ردتهم ومحاربتهم إن ارتدوا ضرر على الإسلام لما عندهم من العز والمنعة. فرأى الإمام أن يرضخ لهم من الصدقة، فعل ذلك، لخلال ثلاث:
إحداهن: الأخذ بالكتاب والسنة.
والثانية: البقيا على المسلمين.
والثالثة: "إنه ليس بيائس منهم إن تمادى بهم الإسلام أن يفقهوه وتحسن فيه رغبتهم" (الأموال ص 607).