والحق أن كل هذا تمحل لا يجوز نسخ نص قاطع بمثله. فآية الكهف: (وقل الحق من ربكم) مكية بيقين، فكيف يستند إليها في نسخ جزء من آية مدنية نزلت بعدها بسنين طويلة؟! وأين التعارض في الآيتين حتى تنسخ إحداهما الأخرى؟! ومثل ذلك حديث معاذ، فليس فيه إلا أن الزكاة من الأمة وإليها، تؤخذ من أغنيائها وترد على فقرائها. وليس كضرائب الملوك السابقين، حيث كانت تؤخذ من الفقراء والكادحين، لتصرف على أبهة الملك وحاشيته. ولو كان ذكر الفقراء هنا ينفى المؤلفة لنفى بقية الأصناف من العاملين عليها والرقاب والغارمين وغيرهم، ولم يقل بذلك أحد.
ولهذا قال علاء الدين بن عبد العزيز من الحنفية: الأحسن أن يقال: هذا تقرير لما كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حيث المعنى. وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع. ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع. وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين، والإعزاز هو المقصود. وهو باق على حاله، فلم يكن ذلك نسخًا... قال: وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة، فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة، والاستنصار في زمنه -صلى الله عليه وسلم- كان بالعشيرة، وبعده بأهل الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخًا، بل كان تقريرًا للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار (أ هـ) واستحسنه في النهاية. ومقتضى هذا التوجيه أن الإسلام إذا ضعف -كما في عصرنا- يجوز إعزازه بالإعطاء. ولا يقول بذلك الحنفية. ولذلك تعقبه ابن الهمام بأن ما قاله لا ينفى النسخ، لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتًا وقد ارتفع. (انظر: تفسير الآلوسي: 3/327).