تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما دعوى النسخ بفعل عمر فليس فيه أدنى دليل. فإن عمر إنما حرم قومًا من الزكاة كانوا يتألفون في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ورأى أنه لم يعد هناك حاجة لتأليفهم، وقد أعز الله الإسلام وأغنى عنهم، ولم يجاوز الفاروق الصواب فيما صنع. فإن التأليف ليس وضعًا ثابتًا دائمًا. ولا كل من كان مؤلفًا في عصر يظل مؤلفًا في غيره من العصور، وإن تحديد الحاجة إلى التأليف، وتحديد أشخاص المؤلفين، أمر يرجع إلى أولى الأمر وتقديرهم لما فيه خير الإسلام ومصلحة المسلمين.

ولقد قرر علماء الأصول: أن تعليق الحكم بوصف مشتق يؤذن بعلية ما كان منه الاشتقاق، وهنا علق صرف الصدقة بالمؤلفة قلوبهم، فدل على أن تأليف القلوب هو علة صرف الصدقات إليهم، فإذا وجدت هذه العلة -وهى تأليف قلوبهم- أعطوا، وإن لم توجد لم يعطوا.

ومن الذي له حق تأليف هؤلاء أو أولئك أو عدم التأليف؟ إنه ولى أمر المسلمين أولاً. إنه له الحق في أن يترك تألف قوم كان يتألفهم حاكم مسلم قبله، وله الحق أن يترك تأليف القلوب في عهده بالمرة، إذا لم يوجد في زمنه ما يدعو إليه، فإن ذلك من الأمور الاجتهادية التي تختلف باختلاف العصور والبلدان والأحوال، وعمر حين فعل ذلك لم يعطل نصًا ولم ينسخ شرعًا. فإن الزكاة تعطى لمن يوجد من الأصناف الثمانية التي جعلهم الله تعالى أهلها، فإذا لم يوجد صنف منهم سقط سهمه ولم يجز أن يقال: إن ذلك تعطيل لكتاب الله أو نسخ له.

فإذا لم يوجد صنف "العاملين عليها" لعدم قيام حكومة مسلمة، تجمع الزكاة وتوزعها على مستحقيها، وتوظف من يقوم بذلك، فقد سقط سهم العاملين عليها.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٥٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٥٢٤