ونقل الرازي في تفسيره (الجزء السادس عشر ص 111). عن الواحدي قال: إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين، فإن رأى الإمام أن يؤلف قلوب قوم لبعض المصالح التي يعود نفعها على المسلمين إذا كانوا مسلمين جاز، إذ لا يجوز صرف شيء من زكوات الأموال إلى المشركين، فأما المؤلفة قلوبهم من المشركين فإنما يعطون من مال الفيء لا من الصدقات.
وعقب الرازي قائلاً: إن قول الواحدي: "إن الله أغنى المسلمين عن تألف قلوب المشركين" بناء على أنه ربما يوهم أنه عليه الصلاة والسلام دفع قسمًا من الزكاة إليهم، لكننا بينا أن هذا لم يحصل البتة، وأيضًا فليس في الآية ما يدل على كون المؤلفة مشركين، بل قال: (المؤلفة قلوبهم) .. وهذا عام في المسلم وغيره. أ هـ.
أقول: وإذا كانت كلمة "المؤلفة قلوبهم" تشمل الكافر والمسلم، ففيها دليل على جواز تأليف الكافر وإعطائه من الزكاة. وإنما تمنع اختصاصه بذلك.
وقد جاء عن قتادة (تفسير الطبري: 14/214). أن المؤلفة قلوبهم أناس من الأعراب ومن غيرهم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألفهم بالعطية كيما يؤمنوا.
وقد ذكرنا حديث أنس في الرجل الذي أعطاه النبي -صلى الله عليه وسلم- من شاء الصدقة ما جعله يرجع إلى قومه قائلاً: أسلموا فإن محمدًا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة. والظاهر أنه لم يكن مسلمًا قبل ذلك.
ولا عجب أن يعطى كافر من صدقات المسلمين تأليفًا لقلبه على الإسلام. أو تمكينًا له في صدره، فإن هذا -كما ذكر القرطبي- ضرب من الجهاد. فالمشركون ثلاثة أصناف: صنف يرجع عن كفره بإقامة البرهان. وصنف بالقهر والسنان. وصنف بالعطاء والإحسان. والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كل صنف ما يراه سببًا لنجاته وتخليصه من الكفر (تفسير القرطبي: 8/179).
هل سقط سهم المؤلفة قلوبهم بعد موت الرسول؟