تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو عبيد: فهذه الصدقة وإن كان نافلة، فما سبيلها وسبيل الفرض إلا سواء، لأن الصدقة إذا كان يحرم كثيرها على الأخذ في الواجب الذي جعله حتمًا للفقراء في أموال الأغنياء، إنه عليهم في التطوع الذي لم يوجبه لهم عليهم لأضيق وأشد تحريمًا، ولئن كان لهم حلالاً وكان المعطى في النافلة محسنًا بارًا، إنه في أداء الفريضة لأكثر إحسانًا" (الأموال لأبى عبيد ص 561).

ثم ذكر أبو عبيد الآثار التي أثبتنا بعضها هنا -عن عمر وعطاء وغيرهما- ثم عقب عليها بقوله: فكل هذه الآثار دليل على أن ما يعطاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقت (أي حد) محظور على المسلمين ألا يعدوه إلى غيره -وإن لم يكن المعطى غارمًا- بل فيه المحبة والفضل، إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطى بلا محاباة، ولا إيثار هوى، كرجل رأى أهل بيت من صالح المسلمين أهل فقر ومسكنة وهو ذو مال كثير، ولا منزل لهؤلاء يؤويهم ويستر خلتهم، فاشترى من زكاة ماله مسكنًا يكنهم من كلب الشتاء، وحر الشمس، أو كانوا عراة لا كسوة لهم، فكساهم ما يستر عورتهم في صلاتهم ويقيهم من الحر والبرد، أو رأى مملوكًا عند مليك سوء قد اضطهده، وأساء ملكته، فاستنقذه من رقه، بأن يشتريه فيعتقه، أو مر به ابن سبيل بعيد الشقة، نائي الدار، قد انقطع به، فحمله إلى وطنه وأهله بكراء أو شراء. هذه الخلال وما أشبهها، التي لا تنال إلا بالأموال الكثيرة، ولم تسمح نفس الفاعل أن يجعلها نافلة، فيجعلها من زكاة ماله، أما يكون هذا مؤديًا للفرض؟! بلى، ثم يكون إن شاء الله محسنًا" (الأموال لأبى عبيد ص 567).

مستوى لائق للمعيشة:

ومن هنا يتبين لنا أن الهدف من الزكاة ليس إعطاء الفقير درهمًا أو درهمين، وإنما الهدف تحقيق مستوى لائق للمعيشة، لائق به بوصفه إنسانًا كرمه الله واستخلفه في الأرض.. ولائق به بوصفه مسلمًا ينتسب إلى دين العدل والإحسان، وينتمي إلى خير أمة أخرجت للناس.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٤٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٤٩٩