فلا عجب أن رأينا فقهاء الإسلام يقررون في أحكام الزكاة: أن يعطى منها المتفرغ للعلم، على حين يحرم منها المتفرغ للعبادة. ذلك أن العبادة في الإسلام لا تحتاج إلى تفرغ، كما يحتاج العلم والتخصص فيه. كما أن عبادة المتعبد لنفسه، أما علم المتعلم فله ولسائر الناس (المجموع: 6/190).
ولم يكتف الإسلام بذلك، بل قال فقهاؤه: يجوز للفقير الأخذ من الزكاة لشراء كتب يحتاجها من كتب العلم التي لابد منها لمصلحة دينه ودنياه (انظر الأنصاف في الفقه الحنبلي: 3/165، 218).
ورأينا فقهاء الحنفية يجيزون نقل الزكاة من بلد إلى آخر بلا كراهة -على خلاف القاعدة- إذا نقلت لطالب علم محتاج (انظر: الدر المختار وحاشيته: 2/94).
أي المذهبين أولى بالاتباع؟
وبعد عرض هذين المذهبين من مذاهب الفقه الإسلامي: مذهب من يرى إعطاء الفقير كفاية العمر كله مرة واحدة.. ومذهب من يرى إعطاءه كفاية سنة كاملة فحسب، فأي هذين المذهبين أحق أن يتبع، ولكل منهما وجهته ودليله؟ وخاصة إذا أردنا أن تقوم الحكومة المسلمة بأمر الزكاة؟.
والذي أختاره: أن لكل من المذهبين مجاله الذي يعمل به فيه.
ذلك أن الفقراء والمساكين نوعان:
نوع يستطيع أن يعمل ويكسب ويكفى نفسه بنفسه، كالصانع والتاجر والزارع، ولكن ينقصه أدوات الصنعة أو رأس مال التجارة، أو الضيعة وآلات الحرث والسقي، فالواجب لمثل هذا أن يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى بشراء ما يلزمه لمزاولة حرفته وتمليكه إياه، استقلالاً أو اشتراكًا على قدر ما تسمح حصيلة الزكاة.