وأما المتوسعون في الأموال التي تجب فيها الزكاة فيقررون وجوبها في الأشياء المذكورة من مصانع وعمارات ونحوها، وهذا هو رأى بعض المالكية والحنابلة، وإن يكن غير مشهور - ورأى الهادوية من الزيدية كما هو رأى بعض العلماء المعاصرين، أمثال أساتذتنا الأجلاء: أبى زهرة وخلاف وعبد الرحمن حسن، كما سنبين ذلك في المبحث القادم.
وهذا التوسع هو الذي أرجحه استنادًا إلى الأمور الآتية :
1- أن الله أوجب لكل مال حقًا معلومًا، أو زكاة، أو صدقة، لقوله تعالى: (والذين في أموالهم حق معلوم) (المعارج: 24)، وقوله تعالى :(خذ من أموالهم صدقةً) (التوبة: 103) وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أدُّوا زكاة أموالكم" من غير فصل بين مال ومال.
وقد رد ابن العربى على الظاهرية الذين نفوا وجوب الزكاة فى عروض التجارة، لعدم ورود حديث صحيح فيها، فقال: قول الله عز وجل: (خُذ من أموالهم صدقة) عام في كل مال على اختلاف أصنافه، وتباين أسمائه، واختلاف أغراضه، فمن أراد أن يخصه في شيء فعليه الدليل (شرح الترمذي: 3/104).
2- أن علة وجوب الزكاة في المال معقولة، وهي النماء كما نص الفقهاء الذين يعللون الأحكام، ويعملون بالقياس، وهم كافة فقهاء الأمة ما عدا حفنة قليلة من الظاهرية والمعتزلة والشيعة.
من هنا لم تجب الزكاة في الدور السكنى، وثياب البذلة، وحلي الجواهر، وآلات الحرفة، وخير الجهاد بالإجماع، وكان القول الصحيح سقوط الزكاة عن العوامل من الإبل والبقر، وعن حلى النساء المستعملة المعتادة، عن كل مال لا ينمى بطبيعته أو بعمل الإنسان.
وإذا كان النماء هو العلة في وجوب الزكاة، فإن الحكم يدور معه وجودًا وعدمًا، فحيث تحقق النماء في مال وجبت فيه الزكاة، وإلا فلا.