ورجح أبو عبيد من لا يرى في اللؤلؤ والعنبر وغيرها من مستخرجات البحر شيئًا - مستدلاً بأنه قد كان مما يخرج من البحر على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم تأتنا عنه فيه سنة عَلِمناها، ولا من أحد من الخلفاء الراشدين بعده من وجه يصح، فنراه مما عفا عنه كما عفا صدقة الخيل والرقيق، وإنما يوجب الخمس فيما يخرج من البحر من أوجبه تشبيهًا بما يخرج البر من المعادن، فرآهما بمنزلة واحدة.
وذهب من لا يرى ذلك إلى أنهما مفترقان: يقولون: فرق بينهما سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جعل في الركاز الخمس، وسكت عن البحر فلم يقل فيه شيئًا (الأموال ص347) ولكن هل القياس إلا إلحاق أمر مسكوت عنه بأمر آخر منصوص عليه لعلة جامعة بينهما؟
وإذا لم يكن المستخرج من البحر من باب الغنيمة الشرعية: فهو شبيه بالمعدن الخارج من البر، بحكم المالية الجامعة بينهما، فينبغي أن يقاس عليه.
ولهذا أرجح ألا تخلو هذه المستخرجات من حق يفرض عليها، قياسًا على الثروة المعدنية، والحاصلات الزراعية، سواء أجعلنا هذا الحق زكاة أم غير زكاة.
أما قدر الواجب فينبغي أن يخضع تحديده لمشورة أهل الرأي، كما روى من فعل عمر رضى الله عنه، فإن الشارع قد فاضل بين المقادير الواجبة في الحبوب والثمار، تبعًا للكلفة والجهد في سقى الزرع؛ ما بين عشر ونصف عشر، فكذلك هنا يكون مقدار الواجب تبعا لسهولة الحصول على الأشياء من البحر، أو مشقته وكثرة مؤونته، وتبعًا لقيمة ما يخرج حسب ما يقدر الخبراء فقد يستخرج بمجهود قليل أشياء نفيسة جدًا، وغالية القدر، فهنا يجب أن ترتفع نسبة المأخوذ منها.
وقد نقل عن الإمامين مالك والشافعي -في شأن المعدن- ما يؤيد هذا الاتجاه، وأن قدر الواجب يختلف باختلاف الجهد والمؤونة، ومقدار الحاصل والمستخرج فقد يكون الخمس، وقد يكون ربع العشر.