وقد عقد القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي بابًا من وقف العموم على ما قصد به، وأنه لا يتعدى به إلى غير ما لم يقصد به إلا بدليل، وإن كان إطلاق الصيغة يقتضيه، وذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي، منهم أبو بكر القفال وغيره، وقد أشار المحقق ابن دقيق العيد فى مواضع من شرح العمدة إلى أن دلالة السياق ترشد إلى تبيين المجملات، وترجيح بعض المحتملات، وتأكيد الواضحات، وأن الناظر في ذلك يرجع إلى ذوقه، والمناظر يرجع إلى دينه وإنصافه (الروض النضير: 2/419).
وإذن فالعمدة في الاستدلال هو الدليل الأول، أعنى أن الركاز الذي صح الحديث بأن فيه الخمس يشمل المعدن كما يشمل الكنوز المدفونة، وهذا المذهب هو الذي رجحه الفقيه الجليل أبو عبيد في "الأموال" وروى عن علي بن أبى طالب ما يؤيد ذلك (الأموال ص240، 241).
إلى الأعلى
مذهب من يجعل الواجب على قدر المؤونة
ورأى بعض الفقهاء رأيًا آخر نظر فيه إلى مقدار الجهد المبذول والنفقات والمؤونة في استخراج المعدن بالنسبة لقدر الخارج منه، فإن كان الخارج كثيرًا بالنسبة إلى العمل والتكاليف، فالواجب هو الخمس، وإن كان قليلاً بالنسبة إليهما، فالواجب هو ربع العشر (انظر الشرح الكبير للرافعي على الوجيز الغزالي المطبوعين مع المجموع للنووي: 6/88، 89).
وهذا قول لمالك والشافعي رحمهما الله (المرجع السابق).
والذي دعاهم إلى هذا التفريق إنما هو التوفيق بين الأحاديث التي تفيد أن في الذهب والفضة ربع العشر -وهما معدنان فيقاس عليهما بقية المعادن - والأحاديث التي تفيد أن في المعدن الخمس، وأنه ركاز أو كالركاز، ومن جهة أخرى القياس على الزرع حيث اختلف مقدار الواجب فيه باختلاف الجهد.