ويرى أبو حنيفة وأصحابه أن كل المعادن المستخرجة من الأرض مما ينطبع بالنار، وبتعبير آخر مما يقبل الطرق والسحب، فيها حق واجب فأما المعادن السائلة أو الجامدة التي لا تنطبع فلا شيء فيها عندهم (انظر: المرقاة للقارئ: 4/149) وإنما قالوا ذلك قياسًا على الذهب والفضة اللذين ثبت وجوب الزكاة فيهما بالنص والإجماع، فيقاس عليهما ما أشبههما وذلك هو الذي ينطبع بالنار من المعادن.
ومذهب الحنابلة أن لا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع من المعادن، فالمعدن الذي يتعلق به الوجوب هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء أكان جامدًا كالحديد والرصاص والنحاس وغيرها، أم من المعادن الجارية كالنفط والقار والكبريت ـ وهذا أيضًا مذهب زيد بن على والباقر والصادق، وعلبه كافة فقهاء الشيعة، ما عدا المؤيد بالله فقد استثنى الملح والنفط والقار (البحر الزخار: 2/210).
سئل أبو جعفر الباقر عن الملاحة فقال: وما الملاحة ؟ فقال السائل: أرض سبخة مالحة يجتمع فيها الماء فيصير ملحًا، فقال: هذا المعدن فيه الخمس، قال السائل: والكبريت والنفط يخرج من الأرض؟ فقال: هذا وأشباهه فيه الخمس (جواهر الكلام: 2/119 ـ 120).
ومذهب الحنابلة ومن وافقهم هنا هو الراجح، وهو الذي تؤيده اللغة في معنى "المعدن" كما يؤيده الاعتبار الصحيح، إذ لا فرق في المعنى بين المعدن الجامد والمعدن السائل، ولا بين ما ينطبع وما لا ينطبع: لا فرق بين الحديد والرصاص وبين النفط والكبريت، فكلها أموال ذات قيمة عند الناس، حتى ليسمى النفط في عصرنا "الذهب الأسود" ولو عاش أئمتنا ـ رحمهم الله ـ حتى أدركوا قيمة المعادن في عصرنا وما تجلبه من نفع وما يترتب عليها من غنى الأمم وازدهارها، لكان لهم موقف آخر فيما انتهى إليه اجتهادهم الأول من أحكام.
وقد استدل صاحب المغنى لمذهب الحنابلة فقال :
( أ ) لنا عموم قوله تعالى: (ومما أخرجنا لكم من الأرض) (البقرة 267).