والحديث الأول قد صححه جماعة من الأئمة، وقد اعتضد بحديث جابر ومرسل مكحول، وبالآثار المذكورة عن الصحابة، وهم أعلم الناس بهدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأحرصهم على اتباعه، قال ابن حزم: "هذا فعل عمر بن الخطاب وأبى حثمة وسهل: ثلاثة من الصحابة بحضرة الصحابة -رضى الله عنهم- لا مخالف لهم يُعرف منهم" .(المحلى:5/260)، وقد دلّت هذه الأحاديث والآثار على وجوب الرفق بأرباب الأموال والتخفيف عنهم، والترك لهم، تقديرًا لحاجتهم وظروفهم.
قال في المغنى: على الخارص أن يترك في الخرص الثلث أو الربع، توسعة على أرباب الأموال، لأنهم يحتاجون إلى الأكل هم وأضيافهم، ويطعمون جيرانهم وأهلهم وأصدقاءهم وسؤالهم ويكون في الثمرة السقاطة، وينتابها الطير، ويأكل منها المارة، فلو استوفى الكل منهم أضرَّ بهم، وبهذا قال إسحاق، ونحوه قال الليث وأبو عبيد والمرجع في تقدير المتروك إلى الساعي باجتهاده، فإن رأى الأكلة كثيرًا ترك الثلث، وإن كانوا قليلاً ترك الربع، فإن لم يترك لهم الخارص شيئًا، فلهم الأكل قدر ذلك، ولا يحتسب عليهم به، لأنه حق لهم.
فإن لم يخرج الإمام خارصًا، فاحتاج رب المال إلى التصرف في الثمرة، فأخرج خارصًا، جاز أن يأخذ بقدر ذلك وإن خرص هو وأخذ بقدر ذلك جاز، ويحتاط في ألا يأخذ أكثر مما له أخذه " ا هـ .(المغنى: 2/709، 710).
وما لم يخرص من الثمار والزروع، وترك لأمانة أهله، فقد قال فيه صاحب المغنى: "لا بأس أن يأكلوا منه ما جرت العادة بأكله، ولا يحتسب عليهم، وسئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك، قال: لا بأس به أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه، وذلك لأن العادة جارية به، فأشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم" .(المغنى: 2/709، 710).
وقال أبو يوسف ومحمد: يراعى ما يأكل الرجل وصاحبه وجاره حتى لو أكل جميعه رطبًا لم يجب عليه شيء.