قال الحسين -راوي هذا الخبر-: فحججت من عامي ذلك، فلقيت مالك بن أنس فسألته عن الصاع فقال: صاعنا هذا صاع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: كم رطلاً هو؟ قال: المكيال لا يرطل (يعنى لا يقدر بالوزن) وهو هذا (المرجع السابق).
وبعد الإمام مالك قال الإمام أحمد في القرن الثالث: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثا حنطة، وقال حنبل: قال أحمد أخذت الصاع من أبى النضر، وقال أبو النضر: أخذته عن ابن أبى ذئب، وقال هذا صاع النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يُعرف بالمدينة، قال أبو عبد الله -يعنى ابن حنبل- فأخذنا العدس فعيرناه به، وهو أصلح ما وقفنا عليه يكال به، لأنه لا يتجافى عن موضعه فكلنا به، ثم وزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث، وقال أحمد: هذا أصلح ما وقفنا عليه، وما تبين لنا من صاع النبي -صلى الله عليه وسلم- .(المغنى: 3/59).
إلى الأعلى
هل يمكن التوفيق بين القولين؟
(أ) قال بعض الحنفية: إن أبا يوسف لما حرر الصاع وجده خمسة وثلثًا برطل أهل المدينة، وهذا المقدار يساوى ثمانية أرطال برطل بغداد، قال ابن الهمام: وهو أشبه؛ لأن محمدًا -رحمه الله- لم يذكر في المسألة خلاف أبى يوسف، ولو كان لذكره على المعتاد، وهو أعرف بمذهبه .(شرح فتح القدير: 2/42)، ومعنى هذا: أن الصاع واحد عند الحجازيين والعراقيين، ولكن الأرطال هي التي تختلف.
ولكن يرد هذا التخريج أن أبا يوسف قال في كتابه "الخراج" (صفحة 53 -طبع السلفية- الطبعة الثانية): الوسق ستون صاعًا بصاع النبي -صلى الله عليه وسلم- فالخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، والصاع خمسة أرطال وثلث، ولا يفهم من هذه الأرطال إلا أنها البغدادية، فإن الكتاب قد أُلِّف بناء على طلب الخليفة الرشيد، وعاصمته بغداد، وأبو يوسف بها، فكيف يقدَّر في بغداد الصاع بأرطال المدينة؟!