إن الاحتمال الأخير هو الظاهر بوضوح لكل من تأمل العلاقة بين النصوص، وينبغي ألا يغرنا ما ذكره الطبري من الآثار عن ابن عباس وغيره من السلف: أن الحق المأمور به في الآية نسخه العُشر والزكاة المعلومة، فمن المعلوم أن النسخ في اصطلاح المتأخرين -بمعنى رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر- أخص من النسخ في عُرف الصحابة والتابعين وأتباعهم، فقد كان يدخل فيه ما سمى فيما بعد: تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفسير المبهم، وتفصيل المجمل ونحوها.
قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات: "الذي يظهر من كلام المتقدمين: أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد كانوا يطلقون على تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل متأخر نسخًا، لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد" (الموافقات:3/75).
وقال المحقق ابن القيم: "ومراد عامة السف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة -وهو اصطلاح المتأخرين- ورفع دلالة العام والمطلق وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد مطلق وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يُحصى وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على اصطلاح الحادث المتأخر" (إعلام الموقعين:1/28،29-طبع المنيرية).
وقد أحسن ابن كثير حين عقب على القول بالنسخ في هذه الآية فقال: "وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة والله أعلم" (ابن كثير:2/182).