ويحسن أن أسوق عبارة ابن رشد التي ذكرها في بيان مذهبه، قال: "إن مالكًا قال: إذا باع العرض: زكّاه لسنة واحدة، كالحال في الدَّيْن، وذلك عنده -أي مالك- في التاجر الذي تنضبط له أوقات شراء عروضه، وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ويشترونه، وهم الذين يخصون باسم "المدير" فحكم هؤلاء -عند مالك- إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم: أن يقوم ما بيده من عروض، ثم يضم إلى ذلك ما بيده من العَيْن (النقود) وما له من الدَّيْن الذي يرتجي قبضه -إن لم يكن عليه دَيْن مثله- وذلك بخلاف قوله في دَيْن غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابًا: أدى زكاته (اشترط بعض المالكية -بل هو المشهور في المذهب- أن ينص للتاجر مقدار من النقود ولو درهمًا في أي وقت من السنة وروى بعضهم عدم الاشتراط ...انظر شرح الرسالة للعلاَّمة زروق:1/325، والمراد بالنص: بيع المتاع بنقد).
"وقال الجمهور (الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم): المدير وغير المدير حكمها واحد، وأنه من اشترى عرضًا للتجارة فحال عليه الحول قوَّمه وزكّاه" (بداية المجتهد لابن رشد: 1/260-261- طبع الاستقامة بالقاهرة).
وقد عقب ابن رشد على رأي مالك بقوله: "وهذا بأن يكون شرعًا زائدًا أشبه منه بأن يكون شرعًا مستنبطًا من شرع ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرِّفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه، ومالك -رحمه الله- يعتبر المصالح، وإن لم تستند إلى أصول منصوص عليها".
واختلف قول المالكية في التاجر المدير إذا بارت سلعته وكسدت بضاعته: هل يصير محتكرا، فلا يزكّى إلا ما باعه بالفعل، أم يظل مديرًا، فيقوِّم عروضه كل عام ويزكيها، قال سحنون: يصير محتكرًا، خلافًا لابن القاسم، وبماذا يُحد البوار؟ هل يُحد بعامين أو بالعُرف؟ قولان، لسحنون وعبد الملك (انظر: شرح الرسالة ...المرجع السابق).