والحق أن رأي الجمهور، أقوى دليلاً من رأي مالك، فإن الاعتبار الذي قام على أساسه إيجاب الزكاة في عُروض التجارة: أنها مال مرصد للنماء مثل النقود، سواء أنمت بالفعل أم لم تنم، بل سواء ربحت أم خسرت؛ والتاجر -مديرًا كان أو غير مدير- قد مَلَك نصابًا ناميًا فوجب أن يزكِّيه.
ومع هذا؛ قد يكون لرأي مالك وسحنون مجال يؤخذ به فيه، وذلك في أحوال الكساد والبوار، الذي يصيب بعض السلع في بعض السنين، حتى لتمر الأعوام، ولا يباع منها إلا القليل، فمن التيسير والتخفيف على مَن هذه حاله ألا تؤخذ منه الزكاة إلا عما يبيعه فعلاً، على أن يُعفى عما مضى عليه من أعوام الكساد، وذلك لأن ما أصابه ليس باختياره ولا من صنع يده.
إلى الأعلى
العروض الثابتة لا تزكى
والمعتبر في رأس مال التجارة الذي يجب تزكيته: هو المال السائل، أو رأس المال المتداول، أما المباني والأثاث الثابت للمحلات التجارية ونحوه مما لا يُباع ولا يحرك: فلا يُحتسب عند التقويم، ولا تُخْرَج عنه الزكاة، فقد ذكر الفقهاء: أن المراد بعرض التجارة هو ما يُعد للبيع والشراء لأجل الربح (مطالب أولي النهى: 2/96) بدليل حديث سمرة الذي ذكرناه في أول هذا الفصل: "كان صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع".
ولهذا قالوا: لا تقوَّم الأواني التي توضع فيها سلع التجارة ولا الأقفاص والموازين، ولا الآلات، كالمنوال، والمنشار، والقدوم، والمحراث، ولا دولاب العمل اللازم للتجارة؛ لبقاء عينها فأشبهت عروض القنية (المصدر نفسه وانظر فتح القدير: 1/527، وبلغة السالك: 1/235، وشرح الأزهار:1/479-480) أي الممتلكات الشخصية التي لا تُعد للنماء.