وكان عمر يأخذ الإبل من الجزية، وإنما أصلها الذهب والورق، وأخذ عليّ بن أبي طالب الإبر والحبال والمسالّ (جمع مسلة) من الجزية، وقد روى عن معاذ في الصدقة نفسها أنه أخذ مكانها العروض، وذلك قوله: "آتوني بخميس أو لبيس -ثياب عندهم- آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة"، وورد عن ابن مسعود أن امرأته قالت له: إن لي طوقًا فيه عشرون مثقالاً، قال: أدِّي عنه خمسة دراهم، وكانت قيمة كل عشرة دراهم تساوي مثقالاً، قال أبو عبيد: وكل هذه الأشياء قد أخذت فيها حقوق من غير المال الذي وجبت فيه تلك الحقوق، فلم يدعهم ذلك إلى إسقاط الزكاة؛ لأنه حق لازم لا يزيله شيء، ولكنهم قدّروا ذلك المال بغيره، إذ كان أيسر على من يؤخذ منه، فكذلك أموال التجارة، إنما كان الأصل فيها أن يؤخذ الزكاة منها أنفسها، فكان في ذلك عليهم ضرر من القطع والتبعيض؛ لذلك رخَّصوا في القيمة، فعلى هذا أموال التجارة عندنا، وعليه أجمع المسلمون: أن الزكاة فرض واجب فيها، وأما القول الآخر، فليس من مذاهب أهل العلم عندنا، وإنما وجبت الزكاة في العروض والرقيق وغيرها إذا كانت للتجارة وسقطت عنها إذا كانت لغيرها؛ لأن الرقيق والعروض إنما عُفِيَ عنها في السنة إذا كانت للاستمتاع والانتفاع بها، ولهذا أسقط المسلمون الزكاة عن الإبل والبقر العوامل، وأما أموال التجارة فإنما هي للنماء وطلب الفضل، فهي في هذه الحال تشبه سائمة المواشي التي يُطلب نسلها وزيادتها، فوجبت فيها الزكاة لذلك، إلا أن كل واحدة منها تزكي على سنتها فزكاة التجارات على القيم، وزكاة المواشي على الفرائض (المقادير المفروضة) فاجتمعتا في الأصل على وجوب الزكاة، ثم رجعت كل واحدة في الفرع إلى سنتها" (الأموال ص427 وما بعدها).
فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٢٨٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٢٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي