ورأس الاعتبار في المسألة -كما قال العلاَّمة السيد رشيد رضا- أن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء صدقة، لمواساة الفقراء، ومن في معناهم، وإقامة المصالح العامة للدين الإسلامي وأمته، وأن الفائدة في ذلك للأغنياء: تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتربيتها بفضائل الرحمة للفقراء، وسائر أصناف المستحقين، ومساعدة الدولة والأمة في إقامة المصالح العامة الأخرى، والفائدة للفقراء وغيرهم: إعانتهم على نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، وهي تضخم الأموال وحصرها في أناس معدودين -وهو المشار إليه بقوله تعالى في حكمة قسمة الفيء: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنكُمْ) (الحشر:7)- فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الأمة في أيديهم"؟ (المصدر السابق).
وأزيد على هذا فأقول:
إن أحوج الناس إلى تطهير أنفسهم وأموالهم وتزكيتها: هم التجار، فإن طرائق كسبهم لا تسلم من شوائب وشبهات، لا يسلم من غوائلها إلا الورع الصدوق الأمين، وقليل ما هم، وخاصة في هذا العصر.
وقد جاء في الحديث: "إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى الله وبر وصدق" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه) "إن التجار هم الفجار، قالوا: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدِّثون فيكذبون" (رواه أحمد بإسناد جيد، والحاكم -واللفظ له- وقال: صحيح الإسناد "ترغيب").
ومن هنا قلنا: إن نفس التاجر وماله أحوج من أي ذي مال آخر إلى التزكية والتطهير وفي هذا روى أبو داود بسنده عن قيس بن أبي غَرَزَة، قال: مرّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة".