وروى أبو عبيد وابن أبى شيبة ذلك عن: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وقتادة، والشعبي، أن زكاة الحلي إعارته (الأموال ص 443، والمصنف: 4/28).
وكل هذه الاحتمالات الواردة في دلالة الأحاديث المذكورة تسقط الاستدلال بها وفقًا للقاعدة المشهورة: إذا تطرق إلى الدليل الاحتمال، سقط به الاستدلال وهذا كله مبنى على افتراض التسليم بصحة هذه الأحاديث فكيف وفى كل منها ما ذكرناه من أسباب الضعف؟
والغريب في هذه القضية: أن فقهاء مدرسة الرأي -كما يسمون- يستدلون على مذهبهم فيها بالحديث والأثر، وفقهاء مدرسة الحديث يستدلون بالرأي والنظر (وهذا يدلنا على أن تقسيم الأئمة المتبوعين إلى أهل رأى، وأهل حديث -تقسيم فيه كثير من المبالغة؛ فإن أهل الرأي لا يرفضون الحديث، وأهل الحديث لا يرفضون الرأي والنظر- كما رأينا- والقضية تحتاج إلى تمحيص وقد أثبت أستاذنا العلامة الشيخ محمد أبو زهرة فى كتابه عن "مالك" أنه من أهل الرأي أيضًا، وأيد ذلك بالأدلة الناصعة. فليراجع.).
وأما ما ورد عن بعض الصحابة مثل ابن مسعود -وقد صح ذلك عنه- وابن عمرو بن العاص -وفي صحته كلام- فالملاحظ: أنهم لم يفتوا بذلك الناس كافة، ولم يرد عنهم أنهم ألزموا به الجميع.
وكل ما ورد عنهم أنهم عملوا بذلك في خاصة أنفسهم وبيوتهم، فامرأة ابن مسعود تسأله عن طوقها الذهبي: أتؤدى زكاته ؟ فيجيبها: نعم وسؤالها عنه يدل على أن حكم الحلي لم يكن متعلمًا بينهم وابن عمرو يزكى حلى بناته كل عام فلا يبعد أن يكون هذا ورعًا منهم، وعملاً بالاحتياط لأنفسهم وأهلهم في أمر لم يعرفوا فيه عن الرسول حكمًا.
الأثر الوحيد الذي يخرج عن هذه الدائرة هو ما قيل إن عمر كتب إلى أبى موسى أن يأمر نساء المسلمين أن يزكين حليهن، ولكن هذا لم تثبت صحته، وأنكر الحسن أن يكون أحد من الخلفاء أوجب زكاة الحلي.
ما اتُّخذ من الحلي كنزًا ففيه الزكاة