وإذا كان وجوب الزكاة في المال يدور على النماء تبين لنا صحة ما ذكره ابن العربى في أحكام القرآن: "أن قصد النماء لما أوجب الزكاة في العروض وهى ليست بمحل لإيجاب الزكاة -كذلك قصد قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذها حليًا يسقط الزكاة، فإن ما أوجب ما لم يجب يصلح لإسقاط ما وجب، وتخصيص ما عم وشمل" أ هـ (أحكام القرآن لابن العربى: 2/919، وانظر شرح الترمذي له: 3/131).
على أن النصوص التي أوجبت الزكاة في الفضة والذهب إنما لاحظت فيهما اعتبار "الثمينة" ولهذا عبرت عن الفضة بالورق والرقة -وهي النقود الفضية- وعبرت عن الذهب بالدنانير -وهي النقود الذهبية- حتى الآية الكريمة التي تقول: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) (التوبة: 34) يدل ذكر الكنز والإنفاق فيها على أن المراد بالذهب والفضة فيها: النقود، لأنها هي التي تكنز وتنفق، أما الحلي المعتاد المستعمل، فلا يعتبر كنزًا، كما أنه ليس معدًا للإنفاق بطبيعته.
وهذا الذي رجحناه هو الذي اختاره وأيده الفقيه الحجة الإمام أبو عبيد في كتابه القيم "الأموال" ويحسن بي أن أسوق هنا نص عبارته لما فيها من نصاعة الحق وقوة الدليل، قال رحمه الله:
"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا بلغت الرقة خمس أواق ففيها ربع العشر" فخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالصدقة: "الرقة" من بين الفضة، وأعرض عن ذكر ما سواه فلم يقل -إذا بلغت كذا ففيها كذا، ولكنه اشترط الرقة من بينها ولا يعلم هذا الاسم في الكلام المعقول عند العرب يقع إلا على الورق (الفضة) المنقوشة، ذات السكة السائرة في الناس (يجب أن نذكر أن أبا عبيد إمام في اللغة، كما هو في الفقه والأثر، وله كتاب "غريب الحديث" صنعه في أربعين سنة، وقد طبع في حيدر آباد بالهند عام 1384هـ (1964م) وظهر منه ثلاثة أجزاء من أربعة) (يعني النقود الفضية).