ثم إن العلماء والمؤرخين أثبتوا أن الدرهم والدينار لم يبقيا على الوضع الذي استقر عليه الإجماع في عهد عبد الملك، بل أصابهما تغيير كبير في الوزن والعيار، من بلد إلى بلد، ومن عهد إلى عهد، ورجع الناس إلى تصور مقاديرهما الشرعية ذهنًا، وصار أهل كل بلد يستخرجون الحقوق الشرعية من نقودهم، بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية، فما السبيل إذن لمعرفة وزن الدرهم والدينار الشرعيين مع اختلاف العملات وصنج الوزن في الأقطار الإسلامية الآن؟
لقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمة إلى حقيقة نافعة، التفتت إليها أخيرًا الدول المتحضرة وعملت على تعميمها تلك هي توحيد المكاييل والموازين في الأمة (وكذلك سائر المقاييس والمعايير) حتى تستقيم المعاملات بين الناس، ولا يوجد بينهم كبير مجال للتنازع والخصام، وهذا ما جاء في حديثه -صلى الله عليه وسلم-: "الميزان ميزان أهل مكة والمكيال مكيال أهل المدينة" ذلك لأن أهل مكة أهل تجارة فكانوا يتعاملون بالأوزان من المثاقيل والدراهم والأواقي ونحوها، فكانوا فيما أدق وأضبط، أما أهل المدينة فكانوا أهل زرع وثمر، فكانوا يتعاملون بالمكاييل من الوسق والصاع والمد ونحوها، فكانوا فيها أدق وأضبط، فأمر بالرجوع في كل معيار إلى من هم أعلم به، وأضبط له، وأحرص على الدقة فيه.
وكان المفروض في كل الأقطار التي دانت بالإسلام، أن توحد موازينها ومكاييلها تبعًا لمعايير البلدين الكريمين: مكة والمدينة اللذين أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- باتخاذهما إمامًا في ذلك، وأن يكون الدرهم في كل البلاد الإسلامية درهمًا واحدًا لا يختلف في وزنه ومقداره، وكذلك المثقال والأوقية والرطل وغيرها ومثل هذا يقال في الصاع والمد والمن ونحوها من المكاييل، وبهذا تعرف الواجبات والحقوق الشرعية المقدرة بالأوزان أو الأكيال، بسرعة ويسر، وبدون مشقة ولا عناء.