وروى مالك في الموطأ عن عائشة قالت: مر على عمر بن الخطاب بغنم من الصدقة فرأى منها شاة حافلاً (مجتمعًا لبنها) ذات ضرع عظيم، فقال: ما هذه الشاة ؟ فقالوا: شاة من الصدقة، فقال عمر رضى الله عنه: ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين" (الموطأ: جـ1 كتاب الزكاة -باب النهى عن التضييق على الناس في الصدقة- ص 267).
وحزرات المال: خياره التي تحرزها العين لحسنها.
ومن التطبيق لمبدأ الوسط، أن الصغار تعد على أرباب الأموال -بعد أن تبلغ الأمهات نصابًا- كما رجحنا، ولكنها لا تؤخذ منهم، كما يترك لهم مقابل ذلك كل ما كان من كرائم أموالهم ونفائسه التي يحرصون عليها لمزية خاصة.
ولهذا لما بعث عمر بن الخطاب سفيان بن عبد الله الثقفي مصدقًا، فكان يعد على الناس السخل (صغار الغنم) فقالوا: أتعد علينا بالسخل، ولا تأخذ منه شيئًا ؟ فلما قدم على عمر بن الخطاب ذكر له ذلك، فقال عمر: "نعم، تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها، ولا تأخذ الأكولة ولا الربى ولا المخاض ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية".
قال مالك: -الربى التي قد وضعت فهي تربى ولدها، والمخاض هي: الحامل، والأكولة هي شاة اللحم التي تسمن لتؤكل (المصدر نفسه ص 265)، وفسر بعضهم الربى: أنها التي تربى في البيت للبن (بدائع الصنائع: 2/33).
وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن رجل يقال له "سعر" عن مصدقي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهما قالا: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نأخذ شافعًا، والشافع التي في بطنها ولدها" (انظر نيل الأوطار: 4/133).
وعن سويد بن غفلة قال: أتانا مصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسمعته يقول: "إن في عهدي ألا نأخذ من راضع لبن وأتاه رجل بناقة كوماء فأبى أن يقبلها" (المرجع السابق).
وإنما أبى ذلك عملاً بوصية الرسول في إعفاء كرائم الأموال، وأخذًا بمبدأ الوسط.
المبحث السابع