فإن مما ينافي حكمة الشريعة في إعفاء ذي المال القليل -وهو ما دون النصاب- من وجوب الزكاة: أن توجب الزكاة على من يملك خمس فصلان من الإبل، أو أربعين حملاً من الغنم، فإن مالكها لا يُعَد غنيًا، فإيجاب الزكاة عليه إجحاف به فأما ما بعد النصاب فمن المعقول أن يعتد بالصغار وتجب فيها الزكاة، إذ الشريعة قد خففت عن مالك الحيوان ويسَّرت عليه تيسيرًا كبيراً، فلم توجب فيما زاد عن النصاب الزكاة بحساب الزيادة، بل عفت عما بين الفريضتين، فخمس من الإبل فيها شاة، وكذلك تسع فيها شاة، وخمس وعشرون فيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين وست وثلاثون فيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين وهكذا وكل ما بين الفريضتين معفو عنه.
وسر هذا التخفيف -فيما يلوح لي- وجود الصغار بكثرة في هذه الأعداد من الحيوان.
ويتضح هذا أكثر في الغنم لكثرة ما تلد في العام -وبخاصة المعز منها- ولهذا كان التخفيف فيها أكثر ففي الأربعين شاة الأولى واحدة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت ففيها شاتان، وإذا زادت الغنم على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة.
المبحث السادس
ما يؤخذ في زكاة الأنعام
هناك صفات يجب مراعاتها فيما يخرجه صاحب الأنعام عن زكاته، ويأخذه الساعي أو المصدق:
1- منها: السلامة من العيوب بحيث لا تكون مريضة ولا كسيرة، ولا هرمة -وهي الكبيرة التي سقطت أسنانها- ولا عجفاء معيبة بأي عيب ينقص من منفعتها وقيمتها.
والدليل على ذلك قوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) (البقرة: 267)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار، ولا تيس إلا ما شاء المصدق" وقد مر في حديث أنس.
ولأن في أخذ المعيب إضرارًا بالفقراء والمستحقين، لحساب رب المال فلا يجوز واختلفوا في ضبط العيب هنا، فالأكثر على أنه ما يثبت به الرد في البيع، وقيل: "ما يمنع الإجزاء في الأضحية" (فتح الباري: 4/63- ط الحلبي).