وقد انتصر ابن تيمية لقول الجمهور الذي أخذ به الشافعي والأوزاعي وأحمد وفقهاء الحديث، بأنهم كانوا في ذلك متبعين لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخلفائه، آخذين بأوسط الأقوال الثلاثة، أو بأحسنها في السائمة فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب الصديق -رضي الله عنه-، ومتابعيه، المتضمن: أن في الإبل الكثيرة: في أربعين: بنت لبون، وفي كل خمسين: حقة، لأنه آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مائة وعشرين، فإنه متقدم على هذا؛ لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران كان قبل موته -صلى الله عليه وسلم- بمدة وأما كتاب الصديق فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كتبه، ولم يخرجه إلى العمال حتى أخرجه أبو بكر (القواعد النورانية ص 87).
فلم يذهب ابن تيمية هنا إلى تضعيف كتاب عمرو بن حزم، بل اعتمد على أنه منسوخ؛ فهو متقدم، وكتاب أبي بكر وعمر متأخر، والقاعدة: أنه إذا تعارض نصان ثابتان ولم يمكن الجمع بينهما، وعُرِف تاريخ كل منهما فإن المتأخر يُعتبر ناسخًا للمتقدم.
ومن هذا كله يتبين: أن مذهب الجمهور أقوى حُجَّة، وأوفر أدلة من مذهب الحنفية وهذا ما جعل بعض المنصفين من علمائهم يرجَّحون مذهب الجمهور.
مثل العلاَّمة الشيخ عبد العلي -الملقب ببحر العلوم- اللكنوي الهندي في "رسائل الأركان الأربعة" (170 - 171) الذي رد على ابن الهمام ثم قال في آخر كلامه: "الأشبه ما عليه الإمام الشافعي والإمام أحمد"(انظر المرعاة على المشكاة: 3/51).
إلى الأعلى
مذهب الطبري
وذهب الإمام أبو جعفر الطبري مذهبًا وسطًا صحح فيه كُلاَّ من المذهبين -مذهب الشافعي، وفقهاء الحديث، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه- وقال: "للساعي أن يتخير بين مقتضى هذا المذهب وذاك" (انظر المجموع: 5/400، 401).
وعندي أن هذا رأي حسن، لأن القول بالنسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذر الجمع والتوفيق بين النصين.