ومن تمام المِلْك الذي اشترطناه، ومما يستلزمه الفضل عن الحوائج الأصلية: أن يكون النصاب سالمًا من الدَيْن، فإذا كان المالك مدينًا بدَيْن يستغرق نصاب الزكاة أو ينقصه، فإن الزكاة لا تجب عليه فيه، غير أن الفقهاء اختلفوا في ذلك، وخاصة فيما يتعلق بديون الأموال الظاهرة، والسبب في اختلافهم يرجع إلى تكييفهم للزكاة ونظرتهم إليها واختلافهم في ذلك، كما ذكر ابن رشد: هل الزكاة عبادة، أو حق مرتب في المال للمساكين؟
فمن رأى أنها حق لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدَيْن، لأن حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين. وهو في الحقيقة مال صاحب الدين، لا الذي المال بيده.
ومن قال: هي عبادة، قال: تجب على من بيده المال، لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية للوجوب على المكلف، سواء أكان عليه دين أم لم يكن، وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقان، حق الله، وحق الآدمي، وحق الله أحق أن يُقضَى (بداية المجتهد ص 238).
قال ابن رشد: والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المدين (المرجع السابق).
وما رجحه ابن رشد هو ما تعطيه نصوص الشريعة وروحها ومبادئها العامة بالنسبة للأموال كلها ظاهرة وباطنة.
والأدلة على ذلك ما يأتي:
أولاً: إن ملكية المدين ضعيفة وناقصة، لتسلط الدائن المستحق عليه، ومطالبته بدَيْنه. ولذا يأخذه الغريم إذا كان من جنس ديْنه من غير قضاء ولا رضاء، كما هو مذهب الحنفية وغيرهم (انظر المجموع للنووي: 5/346. وانظر البحر لابن نجم: 2/219). وقد بيَّنا أن الشرط الأول في المال الذي تجب فيه الزكاة تمام الملك.
ثانيًا: إن رب الدَّيْن مطالب بتزكيته، لأنه ماله وهو مالكه وصاحبه، (وهذا هو قول الجمهور) فلو زكَّاه المدين، لوجبت الزكاة في مال واحد مرتين، وهو ازدواج ممنوع في الشرع (المرجع السابق).