وبهذا الشرط سبق الفقه الإسلامي -بقرون طويلة- أحدث ما وصل إليه الفكر الضريبي الحديث، الذي نادى بإعفاء الحد الأدنى للمعيشة من الضريبة، والتخلص من النظرة "العينية" القديمة التي تنظر إلى "عين المال" دون "شخص صاحبه"، وظروفه وحاجاته وديونه وأعبائه العائلية، واعتبروا النظر إلى "شخصية الممول" وظروفه الخاصة تطورًا وارتقاءً في عالم الفكر والتشريع الضريبي، هذا مع أن كثيرًا من رجال المالية لا يطبقون تلك النظريات في كثير من البلدان، فقد يعفون الحد الضروري لمعيشة الفرد وحده، أو هو وثلاثة من أولاده، وإن كان لديه سبعة أو عشرة من الأولاد، غير ملتفتين إلى من يعولهم من الوالدين والأقارب.
أدلة هذا الشرط من القرآن والسنة
ومما يدل لهذا الشرط -فضلاً عما ذكره الفقهاء من الوجوه العقلية- ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنما الصدقة عن ظهر غنىً"، وفي رواية: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (الحديث رقم (7155) من المسند. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. انظر التعليق عليه في الجزء 12 من المسند، وانظر فتح الباري: 3/189).
وذكره البخاري بهذا اللفظ معلقًا في كتاب الوصايا من صحيحه، وجعله عنوانًا لباب من كتاب الزكاة، قال فيه: (باب) لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ومن تصدق وهو محتاج، أو أهله محتاجون، أو عليه دين، فالدَّيْن أحق أن يُقضى من الصدقة، قال الحافظ في شرح هذا العنوان: كأنه أراد تفسير الحديث المذكور بأن شرط المتصدق ألا يكون محتاجًا لنفسه أو لمن يلزمه نفقته" (فتح الباري: 3/189). ولا شك أن الزكاة صدقة، كما عبَّر عن ذلك القرآن والسنة.
كما يدل لاعتبار ذلك الشرط قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) (البقرة: 219) فعن ابن عباس: العفو ما يفضل عن أهلك (تفسير ابن كثير: 1/256).