تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما قلنا: الحاجة الأصلية، لأنه حاجات الإنسان كثيرة ولا تكاد تتناهى، وخاصة في عصرنا الذي تكاد تصبح فيه الكماليات حاجيات، والحاجيات ضروريات، فليس كل ما يرغب فيه الإنسان يُعد حاجة أصلية، لأن ابن آدم لو كان له واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولكن الحاجات الأصلية ما لا غنى للإنسان عنه في بقائه، كمأكله وملبسه ومشربه ومسكنه، وما يعينه على ذلك من كتب علمه وفنه، وأدوات حرفته ونحو ذلك.

وقد فسَّر بعض علماء الحنفية الحاجة الأصلية تفسيرًا علميًا دقيقًا فقال: هي ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقًا، كالنفقة ودور السكنى وآلات الحرب، والثياب المحتاج إليها لدفع الحر والبرد، أو تقديرًا: كالدَيْن، فإن المدين يحتاج إلى قضائه بما في يده من النصاب ليدفع عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك، وكآلات الحرفة، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وكتب العلم لأهلها، فإن الجهل عندهم كالهلاك، فإذا كان له دراهم مستحقة أن يصرفها إلى تلك الحوائج صارت كالمعدومة، كما أن الماء المستحق بصرفه إلى العطش كان كالمعدوم وجاز عندهم التيمم (حاشية ابن عابدين: 2/6، والبحر الرائق: 2/222، نقلاً عن ابن الملك في شرح المجمع).

ومما نسجله بكل إعجاب وتقدير لعلمائنا: أنهم اعتبروا العلم حياة، والجهل موتًا وهلاكًا، واعتبروا ما يدفع الجهل عن الإنسان من الحاجات الأساسية كالقوت الذي يدفع عنه الجوع، والثوب الذي يدفع عنه العري والأذى، كم اعتبروا الحرية حياة، والحبس والقيد هلاكًا أو كالهلاك.

والذي نراه على كل حال: أن الحاجات الأصلية للإنسان قد تتغير وتتطور بتغير الأزمان والبيئات والأحوال. والأولى أن تُترك لتقدير أهل الرأي واجتهاد أولي الأمر.

والمعتبر هنا: الحاجات الأًصلية للمكلَّف بالزكاة، ومن يعوله من الزوجة والأولاد - مهما بلغ عددهم - والوالدين والأقارب الذين تلزمه نفقتهم، فإن حاجتهم من حاجته.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ١٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ١٣٢