"وإنما قدّر من الإبل خمس ذود، وجعل زكاته شاة، وإن كان الأصل ألا تؤخذ الزكاة إلا من جنس المال، وأن يجعل النصاب عددًا له بال؛ لأن الإبل أعظم المواشي جثة، وأكثرها فائدة: يمكن أن تُذبح، وتُركب، وتُحلب، ويُطلب منها النسل، ويُستدفأ بأوبارها وجلودها. وكان بعضهم يقتني نجائب قليلة تكفي كفاية الصرمة. وكان البعير يسوَّي في ذلك الزمان بعشر شياه، وبثمان شياه، واثنتي عشرة شاة، كما ورد في كثير من الأحاديث فجعل خمس ذود في حكم أدنى نصاب من الغنم، وجعل فيها شاة" (حجة الله البالغة: 2/506). أ. هـ.
واشتراط النصاب في مال الزكاة مُجْمَع عليه بين العلماء، في غير الزروع والثمار والمعادن، ويرى أبو حنيفة أن في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره العُشر، وكذلك روي عن ابن عباس وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: أن في عشر حِزم من البقل تخرجها الأرض حزمة منها صدقة واجبة.
ولكن جمهور العلماء يرون النصاب شرطًا لا بد منه لوجوب الزكاة في كل مال، يستوي في ذلك الخارج من الأرض وغيره من المال، وحُجَّتهم في ذلك حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وهو ما يقتضيه القياس على الأموال الأخرى، من الأنعام والنقود وعروض التجارة. .
والحكمة في اشتراط النصاب واضحة بيَّنة، وهي أن الزكاة إنما هي ضريبة تؤخذ من الغني مواساة للفقير، ومشاركة في مصلحة الإسلام والمسلمين، فلا بد أن تؤخذ من مال يحتمل المواساة، ولا معنى لأن نأخذ من الفقير ضريبة، وهو في حاجة إلى أن يُعان، لا أن يُعين، ومن ثَمَّ قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" رواه البخاري معلقًا. والإمام أحمد موصولاً كما سيأتي في الشرط الرابع.
ومن هنا اتجه التشريع الضريبي الحديث إلى إعفاء ذوي الدخل المحدود من فرض الضرائب عليهم، رفقًا بهم، ومراعاة لحالهم، وعدم مقدرتهم على الدفع، وهو ما سبقت به شريعة الله منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان.
رابعاً: الفضل عن الحوائج الأصلية