تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فكيف تقدمت بعض هذه الحركات في الولاء لها على الإسلام والإسلام له أكثر من ألف وأربعمائة عام هل يعقل أن تصبح هذه الأحزاب الجديدة هي من يعقد على أساسها الولاء والبراء ويترك الإسلام ويُنسى هذا الأصل الأصيل ... وأنا هنا لا أنكر وجود الأحزاب الإسلامية ولكنّ الأصل أنّ هذه الأحزاب تكون لخدمة الإسلام وتعمل من أجل رفع راية الإسلام وليس من أجل رفع رايتها الخاصة ثم منذ متى والمسلم الذي يؤمن بلا اله إلا الله محمد رسول الله يقدم على رايته راية وإن الناظر لأحوال هذه الأحزاب ليرى كثيراً منها صار له فقهه الخاص وفتاويه الخاصة وتبنياته في المسائل الشرعية حتى أنّهم يتركون آراء كبار علماء السلف لآراء علمائهم ويفرطون كثيراً في مدح علمائهم وبالمقابل يشددون على غيرهم من العلماء وكل عالم يخطئ من غير علماء الحزب فإنّه سيتعرض لأشد أنواع الانتقاد ولأقوى العبارات وقد يتعرض للتجريح ببساطة لأنّه ليس من علماء حزبنا ... وهذا في الحقيقة فساد في الولاء لأنّ ولاء المسلم يجب أن يكون بداية للحق ولقول الحق ولحزب الحق ولجماعة الحق حتى لو كان الحق عند غيره يقول ابن تيمية رحمه الله: " وما زال كثير من السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا فسق ولا معصية " هكذا كان السلف رضوان الله عليهم في خلافهم العلمي فلم يكن هذا الخلاف في الرأي يؤدي إلى اختلاف القلوب وفساد الجماعة وتفرق الكلمة واتهام بعضهم بعضاً مع أن دولة الإسلام كانت قائمة وشوكته ظاهرة وبيضته محمية ورايته مرفوعة فما أحوجنا نحن معشر العاملين للإسلام وجنود التوحيد خاصة اليوم أن نقتدي بهم وأن نهتدي بهديهم في ظل حالة الاستضعاف التي نمر بها حتى نستطيع توحيد الكلمة تحت راية التوحيد دفعاً للظلم وإحقاقا للحق ... خاصة إذا تذكرنا أن لا عصمة لأحد غير الأنبياء والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " كلُّ ابنِ آدمَ خطّاءٌ وخيرُ الخطائينَ التوابونَ " (1)، وهذا العموم في قوله " كل" يدخل فيه جميع البشر غير المعصومين بمن فيهم الصحابة والتابعين والعلماء والشهداء فكل هؤلاء غير معصومين لا من الذنوب ولا من الخطأ سواء على مستواهم الشخصي أو الجماعي أو الحزبي ... .. وإن قادة أي حزب ليسوا معصومين كغيرهم من الناس لذلك فإنّه يؤخذ من كلامهم ويرد يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: " ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلاً إن آمن آمن وإن كفر كفر فإنّه لا قدوة في الشر"، فالحذر الحذر من تقليد الرجال هكذا بدون معرفةٍ للحق والباطل إذا قالوا حقاً كنا معهم وإن قالوا باطلاً دافعنا عنهم وهذا والله الضلال بعينه يقول الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه -: " لا يحل لمن يفتي من كتبي أن يفتي حتى يعلم من أين قلت"، هذا هو السؤال من أين قال الحزب وما هو دليله فإن كان لديه دليل شرعي صحيح فقوله مقبول ويؤخذ به وإن كان قوله بدون دليل فقوله مردود، أما الولاء المطلق سواء وجد الدليل أم لم يوجد فهذا إتباع للهوى ومفسدة للدين وولاء فاسد يقول ابن القيم رحمه الله تعالى " عادتنا في مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على جامعها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة " وهذا القول العظيم لابن القيم مختصر وجامع ومتوازن لأنّه جعل راية الحق هي الفيصل وليست راية الحزب أو قاعدة الطائفة ومن يفعل غير ذلك فهو كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى "، فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تتفرق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي أخرى بالظن والهوى ... فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم

(1) رواه احمد في المسند والترمذي في السنن وحسنه.

فقه التجنيد في جيش التوحيد · الصفحة ١٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه التجنيد في جيش التوحيدص ١٥٨